سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٨ - تنبيهات
الثالث: قال ابن القيّم: و أما هديه- (عليه الصلاة و السلام)- في الشّراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصّحّة، فإنّ الماء إذا جمع و صفّي مع الحلاوة و البرودة كان من أنفع شيء للبدن، و من أكبر أسباب الصّحّة، و للأرواح و القوى و الكبد و القلب عشق شديد له و استمداد منه و الماء البارد رطب يقمع الحرارة و يحفظ على البدن رطوبته الأصليّة، و يرد عليه بدل ما تحلّل منها، و يرقّق الغذاء و ينفذه في العروق و إذا كان باردا أو خالطه ما يحليه كالعسل أو الزّبيب أو التّمر أو السّكّر كان من أنفع ما يدخل البدن و يحفظ عليه صحّته، و الماء الفاتر ينفخ و يفعل ضدّ هذه الأشياء، و البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه، فإنّ الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، و الذي يشرب لوقته بمنزلة الفطير.
و كان من هديه- (عليه الصلاة و السلام)- الشّرب قاعدا، لأنّ في الشّرب قائما آفات عديدة، [منها أنّه لا يحصل به الرّيّ التّامّ، و لا يستقرّ في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء] [١] فينزل بسرعة واحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها، و يسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، و كلّ هذا يضرّ بالشارب، و أمّا الشّرب منبطحا فالأطبّاء تكاد تحرّمه و يقولون لأنه يضرّ بالمعدة.
و كان من هديه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنه يشرب في ثلاثة أنفاس، و في هذا الشرب حكم جمّة و فوائد مهمّة، و قد نبّه- (عليه الصلاة و السلام)- على مجامعها
لقوله إنّه أروى و أمرأ و أبرأ.
و كان- (عليه الصلاة و السلام)- يشرب نقيع التّمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة، و له نفع عظيم في زيادة القوّة و حفظه الصّحّة.
و كان يشرب اللّبن خالصا تارة و مشوبا بالماء أخرى و له نفع عظيم في حفظ الصّحّة، و ترطيب البدن، و ريّ الكبد، و لا سيّما اللبن الذي يرعى دوابه و القيصوم و الخزامى و ما أشبهها فإن لبنها غذاء من الأغذية، و شراب مع الأشربة، و دواء مع الأدوية.
و كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد و في هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه و لعقه على الرّيق يذيب البلغم و يغسل خمل المعدة، و يجلو لزوجتها، و يدفع عنها الفضلات و يسخنها، و يفتح سددها، و يفعل مثل ذلك بالكبد و الكلى و المثانة و هو أنفع للمعدة من كلّ حلو دخلها و إنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصفراء لحدّته و دفع مضرته بالخلّ، قوله «فإنّه أروى»: أشدّ ريا فأبلغه و أنفعه، و أبرأ: أفعل من البرء و هو الشّفاء أن يبرأ من شدّة العطش و دائه لتردّده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدّفعة الثّانية ما
[١] ما بين المعكوفين سقط في ج.