سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - تنبيهات
أحدها: مرتبة الحاجة.
و الثانية: مرتبة الكفاية.
و الثالثة: مرتبة الفضلة، فأخبر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوّته، و لا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطن، و يدع الثّلث الآخر للماء، و الثّلث للنّفس، و هذا أنفع ما للبدن و القلب، فإنّ البطن إذا امتلأ من الطّعام، ضاق عن الشّراب، فإذا ورد عليه الشّراب، ضاق عن النّفس، و عرض عليه الكرب و التّعب بحمله، بمنزلة حامل الحمل الثّقيل، و الشبع المفرط يضعف القوى و البدن، و إنما يقوى البدن بحسب ما يقل من الغذاء لا بحسب كثرته، و من تأمّل هديه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- وجده أفضل هدي لحفظ الصحة، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم و المشرب و الملبس و المسكن و الهواء و النّوم و اليقظة و الحركة و السّكون و المنكح و الاستفراغ و الاحتباس.
الثاني: كان- (عليه الصلاة و السلام)- إذا عاف طعاما لم يأكله، و لم يكره نفسه عليه، و هذا أصل عظيم في حفظ الصحة، و كان يحبّ اللّحم، و يحبّ من الذّراع، لأنّه أخفّ على المعدة، و أسرع انهضاما، و كذلك لحم الرقبة و العضد، و كان يحب الطواء و العسل، و هذه الثلاثة من أفضل الأغذية و أنفعها للبدن، و الكبد و الأعضاء و للاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصّحّة و القوّة، و لا ينفر منها إلا من به علّة أو آفة، و كان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، و لا يحتمي عنها، و هذا أيضا من أكبر أسباب حفظ الصحة، فإنّ اللّه- تعالى- بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم و عافيتهم و يغني عن كثير من الأدوية إذا لم يسرف في تناولها و لم يفسد بها الغذاء قبل هضمه و لا أفسدها بشرب الماء عليها، و تناول الغذاء بعد التّخلّي منها فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا، و قلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم إلا و هو أسقم النّاس و أبعدهم من الصّحّة و القوّة.
و لم يأكل طعاما في وقت شدّة حرارته، و لا طبيخا بايتا يسخّن له بالغد، و لا جمع قطّ بين غذاءين، و كان يأكل متورّكا على ركبتين، و يضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى، و هذه الهيئات أنفع هيئات الأكل و أفضلها، لأن الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعيّ و أردأ الجلسات للأكل الاتّكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطّعام على هيئته، و يعوقه عن سرعة تعوّده إلى المعدة، و لذا
قال- (عليه الصلاة و السلام)-: «لا آكل متّكئا» رواه البخاريّ و أبو داود و الترمذيّ و النّسائي و ابن ماجة،
فإنه يمنع مجرى الطعام و يعوقه على سرعة نفوذه إلى المعدة و قد نهى عن الأكل منبطحا عن ابن عمر و الحاكم عن علي.