نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٤ - القسم الأول الدنيا الفانية
إنّ الذنب هو المادة التي تفضي إلى كافة الحروب والنزاعات والجنايات وسفك الدماء وما إلى ذلك من انحرافات.
ثم تطرق الإمام عليه السلام بعبارات قصيرة لأدلة اثبات تلك الحقيقة فأوجزها في ستة أدلة:
«فانّها والله عما قليل تزيل الثاوي [١] الساكن».
نعم لابدّ لكل إنسان دون استثناء ان يودع يوماً هذا العالم، بعضهم يودع أبكر، والبعض الآخر قليل يتأخر، ولكن لامناص من تذوق هذه المرارة: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ» [٢].
والفارق بين ثاوي وساكن هو أنّ الثاوي تطلق عن من أقام بصورة مستمرة في مكان وقد استقر فيه، وقد يكون الساكن كذلك أو لايكون، وبناءاً على هذا فالشباب الذين يعتقدون باستقرارهم لمدة مديدة في هذه الدنيا معرضون للزوال، وكذلك الكهول يبدو سكنهم مؤقتاً ومحدوداً، فالجميع يسير نحو الفناء والزوال، إلى عالم البقاء والخلود.
ثم قال في الدليل الثاني أنّ الدنيا تفجع بمصائبها من غرق في النعم واغتربها:
«وتفجع المترف [٣] الأمن».
نعم بينما ترى هذا الإنسان غارقاً في لذاته ونعمه وإذا نقل إليه خبر موت فلان. ويالها من عبرة هذه الوفيات المفاجئة، وما أكثرها في هذا الزمان. ويالها من عبرة أنّ تراه غارقاً ليلًا في نعمه وملذاته فيصحوا صباحاً وقد فقد كل شيء.
أمّا الدليل الثالث والرابع فهو أنّ ما يذهب من الدنيا لايعود أبداً، ولا يعلم كيف سيكون المستقبل:
«لايرجع ما تولى منها فأدبر، ولايدري ما هو آت منها فينتظر».
ويالها من محنة إلّايعثر الإنسان على ضالته قط، كما يفقد الأمل بالمستقبل! فهو في حسرة دائمة! فلا الشباب يعود إليه، ولا قواه وطاقاته التي ذهبت أدراج الرياح مع تقادم العمر، هذا كله من جانب، ومن جانب آخر فالخوف من المستقبل الغامض الذي يهز كيانه ويؤرق تفكيره ويقض مضجعه.
[١] «ثاوي» من مادة «ثواء» الاقامة مع الاستقرار.
[٢] سورة آل عمران/ ١٨٥.
[٣] «مترف» من مادة «ترف» التنعم ويطلق «المترف» على من تغفله كثرة النعم وتؤدي به إلى الغرور والطغيان.