مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٨ - ١٠٣ سورة العصر
في بداية هذه السورة نواجه قَسماً قرآنيا جديداً. يقول سبحانه: «وَالْعَصْرِ».
«العصر»: في الأصل الضغط، وإنّما اطلق على وقت معين من النهار لأنّ الأعمال فيه مضغوطة. ثم اطلقت الكلمة على مطلق الزمان ومراحل تاريخ البشرية، أو مقطع زماني معين، كأن نقول عصر صدر الإسلام.
قيل: إنّه كل الزمان وتاريخ البشرية المملوء بدروس العبرة، والأحداث الجسيمة. وهو لذلك عظيم يستحق القسم الإلهي.
بعضهم قال: إنّه مقطع خاص من الزمان مثل عصر البعثة النبوية المباركة، أو عصر قيام المهدي المنتظر عليه السلام، وهي مقاطع زمنية ذات خصائص متميزة وعظمة فائقة في تاريخ البشر.
والقسم في الآية إنّما هو بتلك الأزمنة الخاصة.
ولكن الأنسب فيها هو القسم بالزمان وتاريخ البشرية، لأنّ القسم القرآني- كما ذكرنا مراراً- يتناسب مع الموضوع الذي أقسم اللَّه من أجله ومن المؤكّد أنّ خسران الإنسان في الحياة ناتج عن تصرّم عمره، أو أنّه عصر بعثة الرسول صلى الله عليه و آله، لأنّ المنهج ذا المواد الأربع في ذيل هذه السورة نزل في هذا العصر.
الآية التالية
تحمل الموضوع الذي جاء القَسم من أجله. يقول سبحانه: «إِنَّ الْإِنسنَ لَفِى خُسْرٍ».
الإنسان يخسر ثروته الوجودية شاء أم أبى. تمرّ الساعات والأيّام والأشهر والأعوام من عمر الإنسان بسرعة، تضعف قواه المادية والمعنوية، تتناقص قدرته باستمرار.
القلب له قدرة معينة على الضربان، وحين تنفد هذه القدرة يتوقف القلب تلقائياً دون علّة من عيب أو مرض، هذا إذا لم يكن توقف الضربان نتيجة مرض، وهكذا سائر الأجهزة الوجودية للإنسان، وثروات قدراته المختلفة.
إنّ الدنيا في المنظور الإسلامي سوق تجارة، كما يقول الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام:
«الدنيا سوق، ربح فيها قوم وخسر آخرون» [١].
الآية الكريمة التي نحن بصددها تقول: كل الناس في هذه السوق الكبرى خاسرون إلّا مجموعة تسير على المنهج الذي تبيّنه الآية التالية.
[١] تحف العقول/ ٤٨٣.