مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - ٧٨ سورة النبأ
و «الأحقاب»: جمع (حقب) على وزن (قفل)، بمعنى برهة زمانية غير معينة.
وتشير الآيات- بعد ذلك- إلى جانب صغير من عذاب جهنم الأليم، بالقول: «لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا». «إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا»، إلّاظلّ من الدخان الغليظ الخانق كما أشارت إلى ذلك الآية (٤٣) من سورة الواقعة: «وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ». «الحميم»: هو الماء الحار جدّاً؛ و «الغسّاق»:
هو ما يقطر من جلود أهل النار من الصديد والقيح.
في حين أنّ أهل الجنة يسقيهم ربّهم جلّ شأنه بالأشربة الطاهرة، كما جاء في الآية (٢١) من سورة الإنسان: «وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا».
ولكن، لِمَ هذا العذاب الأليم؟ فتأتي
الآية التالية:
إنّما هو: «جَزَاءً وِفَاقًا».
ولِمَ لا يكون كذلك .. وقد أحرقوا في دنياهم قلوب المظلومين، وتجاوزوا بتسلطهم وظلمهم وشرّهم على رقاب الناس دون أن يعرفوا للرحمة معنى، فجزائهم يناسب ما اقترفوا من ذنوب عظام.
ويذكر القرآن سبب الجزاء فيقول: «إِنَّهُمْ كَانُوا لَايَرْجُونَ حِسَابًا».
وبعبارة اخرى: إنّ عدم الإيمان بالحساب سبب للطغيان، فيكون الطغيان سبباً لذلك الجزاء الأليم.
لأنّهم تناسوا حساب يوم القيامة بالكلية: ولم يفرزوا له مكاناً في كل حياتهم.
ومباشرة يضيف القرآن القول: «وَكَذَّبُوا بَايَاتِنَا كِذَّابًا».
فقد أحكمت الأهواء النفسانية قبضتها عليهم حتى جعلتهم يكذبون بآيات اللَّه تكذيباً شديداً، وأنكروها إنكاراً قاطعاً ليواصلوا أمانيهم الإجرامية باتباعهم المفرط لأهوائهم النفسانية ونوازعهم الدنيوية.
ينبه القرآن الطغاة على وجود الموازنة بين الجرم والعقاب في العدل الإلهي، فيقول:
«وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنهُ كِتَابًا».
فلا تظنوا أنّ شيئاً من أعمالكم سيبقى بلا حساب أو عقاب، ولا تساوركم الشكوك بعدم عدالة العقوبات المقررة لكم.
وفي هذا المجال، يقول القرآن: «وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ* وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ