مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٤ - ٨٧ سورة الأعلى
٨٧/ ٥- ١ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) تسبيح اللَّه: تبدأ السورة بخلاصة دعوة الأنبياء عليهم السلام، حيث التسبيح والتقديس أبداً للَّه الواحد الأحد، فتخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بالقول: «سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الْأَعْلَى».
فمراد الآية أن لا يوضع اسمه جلّ شأنه في مصاف أسماء الأصنام، ويجب تنزيه ذاته المقدسة من كل عيب ونقص، ومن كل صفات المخلوق وعوارض الجسم، أي أن لا يحد.
«الْأَعْلَى»: أي الأعلى من كل: أحد، تصوّر، تخيّل، قياس، ظن، وهم، ومن أي شرك بشقيه الجلي والخفي.
«رَبّكَ»: إشارة إلى أنّه غير ذلك الرب الذي يعتقد به عبدة الأصنام.
وبعد ذكر هاتين الصفتين
(الربّ والأعلى)
، تذكر الآيات التالية خمس صفات تبيّن ربوبية اللَّه العليا ...: «الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى».
فنظام عالم الخليقة، بدءاً من أبسط الأشياء، كبصمات الأصابع التي أشارت إليها الآية (٤) من سورة القيامة: «بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ». وانتهاءً بأكبر منظومة سماوية كلّها شواهد ناطقة على ربوبية اللَّه سبحانه وتعالى، وأدلة إثبات قاطعة على وجوده عزّ وجل.
وبعد ذكر موضوعي الخلق والتنظيم، تنتقل بنا
الآية التالية
إلى حركة الموجودات نحو الكمال: «وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى».
والمراد ب
(قدّر)
، هو: وضع البرامج، وتقدير مقادير الامور اللازمة للحركة باتجاه الأهداف المرسومة التي ما خلقت الموجودات إلّالأجلها.
والمراد ب
(هدى)
هنا، هو: الهداية الكونية، على شكل غرائز وسنن طبيعية حاكمة على كل موجود (ولا فرق في الغرائز والدوافع سواء كانت داخلية أم خارجية).
فمثلًا، إنّ اللَّه خلق ثدي المرأة وجعل فيه اللبن لتغذية الطفل، وفي ذات الوقت جعل عاطفة الامومة شديدة عند المرأة، ومن الطرف الآخر جعل في الطفل ميلًا غريزياً نحو ثدي امّه، فكلّ هذه الإستعدادات والدوافع وشدّة العلاقة الموجودة بين الام والإبن والثدي