مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٦ - ٨٧ سورة الأعلى
يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا». وكذا الآية (١٦ و ١٧) من سورة القيامة: «لَاتُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ» تدخل في سياقهما.
ولإثبات قدرته سبحانه وتعالى، وأنّ كل خير منه، تقول الآية: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى». ولا يعني هذا الإستثناء بأنّ النسيان قد أخذ من النبي صلى الله عليه و آله وطراً، وإنّما هو لبيان أنّ قدرة حفظ الآيات هي موهبة منه سبحانه وتعالى، ومشيئته هي الغالبة أبداً، وإلّا لتزعزعت الثقة بقول النبي صلى الله عليه و آله.
فمن معاجز النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، قابليته على حفظ الآيات والسور الطوال بعد تلاوة واحدة من جبرائيل عليه السلام، دون أن ينسى منها شيئاً أبداً.
وتخاطب
الآية التالية
النبي الكريم صلى الله عليه و آله مسلية له: «وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَى». أي: إخبار النبيّ بصعوبة الطريق في كافة محطاته، من تلقي الوحي وحفظه حتى البلاغ والنشر والتعليم والعمل به، وتطمئنه بالرعاية والعناية الربانية، بتذليل صعابه من خلال تيسيرها له صلى الله عليه و آله.
وبعد أن تبيّن الآيات العناية الربانية للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله، تنتقل إلى بيان مهمته الرئيسية:
«فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذّكْرَى».
قيل: الإشارة هنا إلى أنّ التذكير بحدّ ذاته نافع، وقليل اولئك الذين لا ينتفعون به، والحد الأدنى للتذكير هو إتمام الحجة على المنكرين، وهذا بنفسه نفع عظيم.
وتقسم الآيات التالية الناس إلى قسمين، من خلال مواقفهم تجاه الوعظ والإنذار الذي مارسه النبي صلى الله عليه و آله ...: «سَيَذَّكَرُ مَن يَخْشَى».
نعم، فإذا ما فقد الإنسان روح «الخشية» والخوف ممّا ينبغي أن يخاف منه، وإذا لم تكن فيه روحية طلب الحق- والتي هي من مراتب التقوى- فسوف لا تنفع معه المواعظ الإلهية، ولا حتى تذكيرات الأنبياء ستنفعه، على هذا الأساس كان القرآن
«هدًى للمتّقين».
وتذكر
الآية التالية
القسم الثاني، بقولها: «وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى».
ويعرض لنا القرآن عاقبة القسم الثاني: «الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى» .. «ثُمَّ لَايَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى». أي، لا يموت ليخلص من العذاب، ولا يعيش حياةً خالية من العذاب، فهو أبداً يتقلقل بالعذاب بين الموت والحياة.
إنّ وصف نار جهنم ب «الكبرى» مقابل (النار الصغرى) في الحياة الدنيا.