مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٥ - ٧٤ سورة المدثر
فأنزل اللَّه تعالى «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ» [١].
التّفسير
قم وانذر الناس: لا شك من أنّ المخاطب في هذه الآيات هو النبي صلى الله عليه و آله وإن لم يصرح باسمه، ولكن القرائن تشير إلى ذلك، فيقول أوّلًا: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ». فلقد ولى زمن النوم والإستراحة، وحان زمن النهوض والتبليغ.
ثم يعطي للنبي صلى الله عليه و آله خمسة أوامر مهمة بعد الدعوة إلى القيام والإنذار، تعتبر منهاجاً يحتذي به الآخرون، والأمر الأوّل هو في التوحيد، فيقول: «وَرَبَّكَ فَكَبّرْ».
ذكر كلمة
(ربّ)
وتقديمها على (كبّر) الذي هو يدل على الحصر، فليس المراد من جملة
«فكبّر»
هو (اللَّه أكبر) فقط، مع أنّ هذا القول هو من مصاديق التكبير كما ورد في الروايات، بل المراد منه أنسب ربّك إلى الكبرياء والعظمة اعتقاداً وعملًا، قولًا فعلًا وهو تنزيهه تعالى من كل نقص وعيب، ووصفه بأوصاف الجمال، بل هو أكبر من أن يوصف، ولذا ورد في الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في معنى اللَّه أكبر:
«اللَّه أكبر من أن يوصف».
ثم صدر الأمر الثاني بعد مسألة التوحيد، ويدور حول الطهارة من الدنس فيضيف:
«وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ». التعبير بالثوب قد يكون كناية عن عمل الإنسان، لأنّ عمل الإنسان بمنزلة لباسه، وظاهره مبين لباطنه.
ويمكن أن يكون المعنى هو اللباس الظاهر، لأنّ نظافة اللباس دليل على حسن التربية والثقافة، خصوصاً في عصر الجاهلية حيث كان الإجتناب من النجاسة قليلًا وإنّ ملابسهم وسخة غالباً، وكان الشائع عندهم تطويل أطراف الملابس بحيث كان يُسحل على الأرض، وما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى أنّه:
«ثيابك فقصر» [٢]
، ناظر إلى هذا المعنى.
والحقيقة أنّ الآية تشير إلى أنّ القادة الإلهيين يمكنهم إبلاغ الرسالة عند طهارة جوانبهم من الأدران وسلامة تقواهم، ولذا يستتبع أمر إبلاغ الرسالة والقيام بها أمر آخر، هو النقاء والطهارة.
ويبيّن تعالى الأمر الثالث بقوله: «وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ».
[١] التفسير الكبير ٣٠/ ١٨٩.
[٢] تفسير مجمع البيان ١٠/ ١٧٥.