مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - ٦٢ سورة الجمعة
سبب النّزول
نقل في سبب نزول هذه الآيات وخصوصاً الآية «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً» روايات مختلفة جميعها تخبر عن معنى واحد، هو أنّه في أحد السنوات: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه و آله يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى الله عليه و آله إلّارهط، فنزلت الآية فقال صلى الله عليه و آله:
«والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي ناراً».
وقال المقاتلان: بينا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يخطب يوم الجمعة، إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي، ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة. وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق، إلّاأتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق، أو برّ، أو غيره فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه.
فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول اللَّه صلى الله عليه و آله قائم على المنبر يخطب. فخرج الناس، فلم يبق في المسجد إلّااثنا عشر رجلًا وامرأة، فقال صلى الله عليه و آله:
«لولا هؤلاء لسوّمت عليهم الحجارة من السماء».
وأنزل اللَّه هذه الآية [١].
التّفسير
أكبر تجمّع عبادي سياسي اسبوعي: كانت الأبحاث السابقة تدور حول مسألة التوحيد والنبوّة والمعاد، وكذلك ذمّ اليهود عبيد الدنيا، بينما انصبّ الحديث في الآيات مورد البحث على الركائز الإسلامية المهمة التي تؤثّر كثيراً على استقرار أساس الإيمان، وتمثّل الهدف الأساس للسورة، وهي صلاة الجمعة وبعض الأحكام المتعلقة بها. ففي البداية يخاطب اللَّه تعالى المسلمين جميعاً بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ».
«نودي»: من مادة «نداء» وهي هنا بمعنى الأذان إذ لا نداء للصلاة غير الأذان.
فعندما يرتفع الأذان لصلاة الجمعة يكون لزاماً على الناس أن يتركوا مكاسبهم ومعايشهم، ويذهبوا إلى الصلاة وهي أهمّ ذكر للَّه.
[١] تفسير مجمع البيان ١٠/ ١١.