جواهر المطالب في فضائل علي بن أبي طالب(ع) - الطريحي النجفي، فخر الدين - الصفحة ٢١٤
١٦٣.ومن كتاب الاحتجاج [١] ... عن ابن عبّاس ، قال : والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس ـ لعمر اللّه ـ بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله ، فجعلها شور في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فياللّه والشورى ، متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم ، حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكنّني أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصبرت على طول المحنة وانقضاء المدّة ، فمال رجلٌ منهم لضغنه ، وصغى الآخر لصهره ، مع هن وهن . إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه ، يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وكبت به بطنته ، وأجهز عليه عمله ، فما راعني إلاّ والناس رسل إليّ كعرف الضبع ، ينثالون عليّ من كلّ جانب ، حتّى لقد وطئ الحسنان ، وشقّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت اُخرى ، وفسق آخرون ، كأنّهم لم يسمعوا اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ يقول : « تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدونَ عُلُوّاً في الأرضِ ولا فَساداً والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ » [٢] . بلى واللّه لقد سمعوها ووعوها ، ولكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها . أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه على أولياء الأمر ، أن لا يُقرّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز . قال : وقام إليه رجلٌ من أهل السواد ـ عند بلوغه عليه السلام إلى هذا الموضع من خطبته ـ فناوله كتاباً وأقبل ينظر فيه ، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عبّاس : يا أمير المؤمنين ، لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت ؟ فقال : هيهات يا ابن عبّاس ، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت ! قال ابن عبّاس : فواللّه ما أسفتُ على كلام قطّ كأسفي على ذلك الكلام ، ألاّ
[١] توجد هذه الخطبة في نهج البلاغة ، وهي الخطبة المعروفة بـ«الشقشقية» . ورواها الشيخ المفيد في الإرشاد ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، ج١ ، ص٦٩ .[٢] أي المدفوع من التنفّس يصعده المتلهّف الحزين .[٣] وهو أبوبكر بن أبي قحافة ، واسمه عبد اللّه ، وفي الجاهلية عتيق ، واسم أبيه عثمان ، والضمير في تقمّصها عائد إلى الخلافة ، وإنّما لم يذكرها للعلم بها ، وتقمّصها جعلها مشتملة عليه كالقميص كناية عن تلبسه بها .[٤] سدلت : أي أرخيت ، كناية عن إعراضه عنها ، واحتجابه عن طلبها .[٥] الكشح : مابين الخاصرة والجنب ، أنزل الخلافة منزلة المأكول الّذي منع نفسه عنه ، فلم يشتمل عليه كشحه .[٦] طفقت : جعلت ، وأخذت ، وشرعت ، وأرتني : أفكر طلبا للرأي الصائب ، صال : حمل نفسه على الأمر بقوة ، الطخية : قطعة من الغيم . أي : جعلت اُدبّر الفكر واُجيله في أمر الخلافة ، واُردده في طرفي نقيض ، إمّا أن أشهر السيف وأصول على الغاصبين للخلافة والمعتدين على حقّي ، أو أترك وأصبر ، وفي كلا الحالين خطر : فأمّا القيام والثورة فبيدٍ مقطوعة من غير ناصر ولا معين ، وأمّا الثاني فلما يؤول إليه الحال ؛ من اختلاط الاُمور ، وعدم انتظام الحياة ، والتمييز بين الحق والباطل ، فكما أنّ الظلمة والعمى لا يهتدى معهما للتمييز بين الأشياء ، فكذلك اضطراب الهيئة الاجتماعية وتشابك المشاكل وازدحامها لا يهتدى معه لوجه الحق .[٧] أي أقرب للعقل .[٨] هو أعشى قيس ، واسمه ميمون بن جندل من بني قيس . من قصيدة أولها : علقم ما أنت إلى عامر الناقص الأوتار والواتر .[٩] الكور ـ بالضمّ ـ : الرحل أو هو مع أداته ، والضمير راجع إلى الناقة في الأبيات السابقة .[١٠] العقد الفريد ، ج٢ ، ص٢٨٦ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج١ ، ص٦٦ .[١١] الكلم : الجرح .[١٢] سورة القصص ، الآية ٨٣ .[١٣] الاحتجاج ، ج١ ، ص٢٨١ ـ ٢٨٨ . وفيه : قال ابن عبّاس : فما أسفت على شيء ، ولا تفجّعت كتفجّعي على ما فاتني من كلام أمير المؤمنين عليه السلام .