بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٤
به باسم الدين ، ويرجون ثواباً جزيلا في عقباهم ، فالإصرار على أنّه من الآداب والرسوم خطأ ، لا يتفوه به من شاهدها وعاينها وعاشر المقيمين لها ، فيجب على المسوغ والمانع البحث في أمر آخر ، وهو أنه هل لهذا الأمر أصل في الشريعة على الوجه الكلي حتّى يكون الإحتفال تجسيداً له في هذه الظروف ، أو ليس له اصل في الشريعة حتّى يكون بدعة؟ والأسف كله أن المانعين والمسوغين لم يركزوا على هذا المهم إلاّ القليل منهم [١] فعلى من يحاول حسم مادة الخلاف تبيين تلك النقطة الحساسة ، وترك ما يثار حوله من الجدال والحوار.
فنقول :
إنّ كون شيء أمراً جائزاً في الدين على قسمين :
تارة يقع النص عليه بشخصه ، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى ، أوالاجتماع في عرفة ومنى ، فلا شك أنّ هذا الاجتماع والاحتفال أمر به الشارع بشخصه ، فخرج به عن كونه بدعة.
وأُخرى يقع النص عليه على الوجه الكلي ، ويترك انتخاب أساليبه وأشكاله وألوانه إلى الناس حسب الظروف ورعاية المقتضيات ، وإليك بعض الأمثلة :
١ ـ ندب الشارع إلى تعليم الأولاد ومكافحة الاُمّية ، ولا شك أنّ لهذا الأمر الكلي أشكالا أو ألواناً حسب تبدل الحضارات وتكاملها ، فلو كان التعليم والكتابة في الظروف السابقة متحققة بالكتابة بالقصب والحبر ، وجلوس المتعلم أمام المعلم على الأرض في الكتاتيب ، فقد تطورت كيفية التعليم من هذه الحالة البسيطة إلى حالة تستخدم فيها الأجهزة المتطورة ، حيث أصبح الناس يتعلمون عن طريق الإذاعة والتلفاز ، و ( الكمبيوتر ) ، والأشرطة ، إلى غير ذلك من وسائل التعليم وأجهزة الإعلام ، سواء أكان ما يذيعه تعليمياً أم تبليغياً ، فالشارع أمر
[١] ولقد أعطى العلامة الحجة السيد جعفر مرتضى في كتابه القيم « المواسم والمراسم » للتحقيق في هذا المجال حقه. شكر اللّه مساعيه.