بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٠
ومما يدل على أنّ السلف لا يحملون الصفات الخبرية على ظواهرها ، بل لا يتكلمون ويفوضون الأمر إلى اللّه ، هو ما نقل عن عالم المدينة مالك بن أنس عندما سئل عن قوله سبحانه : ( ثمَّ استوى على العرش ) أنّه كيف استوى؟ قال : الإستواء معلوم ، والكيف غير معقول [١]. نعم إنّ ابن تيمية وأبناء الوهابية يحكون عنه أنّه قال : « الكيف مجهول » ، والفرق بين العبارتين واضح ، فالأول يهدف إلى التنزيه ، والثاني يناسب التجسيم ، إذ معناه أنّ لاستوائه على العرش كيفية من الكيفيات ولكنها مجهولة لنا. ويدل على أن الوارد هو « غير معقول » ما جاء في ذيل الرواية أنّ مالك بعدما سمع السؤال وأجاب بما ذكرناه ، علته الرحضاء ، أي العرق الكثير وقال : « ما أظنك إلاّ صاحب بدعة » وما ظنّه كذلك إلاّ لأنّ سؤاله كان عن الكيفية ، فأحس أن السائل يريد إثبات الكيفية لاستوائه سبحانه ، فأخذته الرحضاء من سؤاله واعتقاده.
الرابع : إنّ ابن تيمية يكرر كثيراً استواءه سبحانه على العرش ، ويعتمد على ظاهره ، ويتخيل أنّ الإستواء بمعنى الاستقرار أو الجلوس ، ولكنّه تستراً لمذهبه ، يضيف إليه « بلا تكييف » ولأجل رفع الستر عن معنى الآية نأتي بكلام شيخ السلف من المفسرين أبي جعفر الطبري ، ولا يشك أحد في أنّه سلفي ، فهو يقول :
الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه :
١ ـ انتهاء شباب الرجل وقوته ، ويقال : إذا صار كذلك قد استوى الرجل.
٢ ـ استقامة ما كان فيه أود من الأُمور والأسباب. يقال : استوى لفلان أمره إذا استقام له بعد أود ، ومنه قول الطرماح :
[١] نقله الذهبي في كتابه « العلو » عن مالك وشيخه ربيعة ، كما نقله أيضاً بالسند عن أبي عبداللّه الحاكم وابن زرعة ، لاحظ فرقان القرآن ص ١٤ ـ ١٥ ونقله عن الإلكائي في شرح السنة.