بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٣
التجسيم ، أو الإمعان في الآيات والآثار الصحيحة وتفسيرها حسب الدلالة التصديقية ، بالمعاني الكنائية أو المجازية أو غير ذلك.
وأمّا ما ادّعاه من أنّ ما ذكره نفس معتقد السلف فقد أجاب عنه العلامة الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي ( ت ١٣٧٩ هـ ) قال : « إذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف : إنما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه ، ويداً لا كالأيدي ، فلا تظن أنهم أرادوا أنّ ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض ، فجزء منها يد وجزء منه وجه ، غير أنه لا يشابه الأيدي والوجوه الّتي للخلق.
حاشاهم من ذلك ، وما هذا إلاّ التشبيه بعينه ، وإنما أرادوا بذلك أنّ لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات الّتي تليق بالذات العلية ، كالعظمة والقدرة ، غير أنهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيباً من التهجم على ذلك المقام الأقدس ، وانتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام ، وخدعوا بها الأغمار من الناس ، وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه ، وتبرأوا من اسمه ، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء وجهابذة الحكماء » [١].
وقد صرح بما ذكرنا ـ الأخذ بالمفاهيم اللغوية يلازم الجهة والتجسيم ـ ناصر ابن تيمية في جميع المواقف ( إلاّ في موقف أو موقفين ) الشيخ محمد أبو زهرة حيث لم يستطع أن يستر الحقيقة ، فقال : « ولا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع والإقرار بأنه في السماء ، وأنه يستوي على العرش ، وبين تنزيهه المطلق عن الجسمية والمشابهة للحوادث. وإن التأويل ( حملها على المجاز والكناية ) بلا شك في هذا يقرب العقيدة الى المدارك البشرية ، ولا يصح أن يكلف الناس ما لا يطيقون ، وإذا كان ابن تيمية قد اتسع عقله للجمع بين الإشارة الحسية وعدم الحلول في مكان والتنزيه المطلق ، فعقول الناس لا تصل إلى سعة أُفقه إن كان كلامه مستقيماً » [٢].
يقول أيضاً : « ومهما حاولوا نفي التشبيه فإنّه لاصق بهم ، فإذا جاء ابن
[١] فرقان القرآن ص ٨٠ ـ ٨١.
[٢] ابن تيمية ، حياته وعصره ص ٢٧٠.