بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧١
أمير مكة فأبوا عليه ، ودعاهم إلى الجهاد ضد الوهابية بعد انقضاء مناسك الحج فأعرضوا عنه ، وتعللوا بعلل واهية ، وأكثر الإلحاح عليهم فلم يجد فيهم أُذناً صاغية ، فاضطرّ إلى الجلاء عن مكة برفقة أتباعه وخزائنه وذخائره ، وكثير من أهالي مكة إلى مدينة جدة ، للأمن من غائلة سطوة الوهابيين.
ووصل ابن سعود بقواته مشارف مكة المكرمة يومة العاشر من المحرم ، فدخلها من دون مقاومة تذكر ، ففعل بها وبأهلها ما فعله جنده بأهل الطائف [١].
وفرض ابن سعود على علمائها تلقّي أفكار ابن عبد الوهاب ومدارسة كتبه ، كما منع مسلمي الآفاق من أداء الحج والعمرة ، فانقطع عن أهل مكة والمدينة ما كان يصل إليهم من الصدقات ، أو أسباب التجارة الّتي كانوا يتعيشون منها [٢].
وبعد استيلائهم على مكة ، قدمت جموع غفيرة من نجد من الوهابيين ، فتوجهت حشودهم بتخطيط مسبق إلى الأضرحة والمزارات ذات القباب الّتي شيدت لتكريم شخصيات صدر الإسلام فهدموها ، وكذا فعلوا بدار مولد النبيّ وقبّة السيدة خديجة وقبة زمزم [٣] ، فما مضت عليهم إلاّ ثلاثة أيام حتّى محوا جميع آثار صدر الإسلام ومعالمه ، وآثار الصالحين ، فأزالوها عن بكرة أبيها [٤].
طرد الوهابيين من مكة المكرمة
كانت الوهابية مسيطرة على الحرم الشريف على نحو ما مرّ ذكره ، فدفعت جرائمهم الّتي ارتكبوها بمكة الشريف غالب إلى تصميمه على تجديد العهد بها لتطهيرها من دنس الوهابيين ، فسار برفقة الشريف باشا حاكم جدة
[١] جبران شامية : آل سعود ماضيهم ومستقبلهم ، ص ٦٤ ـ تاريخ الجبرتي ، ص ٩٣.
[٢] أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي ، ص ٩٣.
[٣] ابن بشر : عنوان المجد ، ج ١ ص ١٢٢.
[٤] تاريخ الجبرتي ، ص ١١٨ بتصرف.