بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٢
وهذا هو الإمام الرازي يفسر الشفاعة بالدعاء والتوسل إلى اللّه ، فقد قال في تفسير قوله سبحانه : ( وَيَسْتَغْفِرون لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَىء رَحْمَة ) هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين ، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء ، لا نعقاد الإجماع على أنه لا فرق [١].
وقال أيضاً قال تعالى لمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( وَاسْتَغْفِرْ لَذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنينَ وَالْمُؤمِنَات ) فأمر محمداً أن يذكر أوّلا الاستغفار لنفسه ، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليهالسلام أنه قال : ( رَبِّ اغْفِرْلي وَلِوالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بِيتِيَ مُؤمِناً وَلِلْمُؤمِنينَ وَالمُؤمِنات ) [٢].
وعلى هذا فالشفاعة هي دعاء الشفيع للمذنب ، وطلب الشفاعة منه هو طلب الدعاء منه ، وقد سمي في الأحاديث : دعاء المسلم لأخيه المسلم شفاعة له ، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي أنه قال : ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لايشركون باللّه إلاّ شفّعهم اللّه فيه [٣].
فلو أنّ رجلا أوصى في حال حياته أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء على أن يقوموا بالدعاء له بعد موته وفوته ، فقد طلب الشفاعة منهم.
وقد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان « إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم » وأفرد باباً آخر بعنوان « إذ استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط » [٤].
كل ذلك يدل على أنّ الشفاعة بمعنى الدعاء إلى اللّه ، وطلبها هو طلب الدعاء.
[١] مفاتيح الغيب : ج ٧ ص ٢٨٦ ـ طبع مصر ، سورة غافر : الآية ٧.
[٢] مفاتيح الغيب : ج ٨ ص ٢٢٠ ، سورة محمد : الآية ١٩ وسورة نوح : الآية ٢٨.
[٣] صحيح مسلم : ج ٣ ص ٥٤.
[٤] صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٩ ـ أبواب الاستسقاء.