بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠
٣ ـ كان لقضية الإفك في عصر الرسول دوىّ بين أعدائه ، فكان عدوّ اللّه « عبد اللّه بن أُبي » يشيع الفاحشة ويؤذي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقام رسول اللّه في الناس يخطبهم ، فحمد اللّه وأثنى عليه ـ ثم قال : « أيّها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق ، واللّه ما علمت منهم إلاّ خيراً ، ويقولون ذلك الرجل ، واللّه ما علمت منه إلاّ خيراً ، وما يدخل بيتاً من بيوتي إلاّ وهو معي ـ وكان كبر ذلك الإفك عند عبد اللّه بن أُبي بن سلول في رجال من الخزرج.
فلمّا قال رسول اللّه تلك المقالة ، قال « أسيد بن حضير » وكان أوسياً : يا رسول اللّه! إن يكونوا من الأوس نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك ، فواللّه إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، فقال سعد بن عبادة ـ وكان خزرجياً ـ : كذبت لعمر اللّه لا تضرب أعناقهم ، أما واللّه ما قلت هذه المقالة إلاّ أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد : ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين. وعندئذ تساور الناس حتّى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شرّ. وفي لفظ البخاري : فصار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همُّوا أن يَقْتَتِلوا ورسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قائم على المنبر ، فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت [١].
هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات الّتي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته وهو صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصنع من الخلاف وئاماً ومن النزاع وفاقاً ، ويدفع الشر بقيادته الحكيمة ، وما هذا إلاّ لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين : كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.
وهذا صنو النبي الأكرم ووصيه وخليفته ـ إذ حرم من حقّه المشروع ، وبدلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعدي ، ثم إلى أُمّية ـ قد
[١] السيرة النبوية ج ٣ ص ٣١٢ ـ ٣١٣ ، وصحيح البخاري ج ٥ ص ١١٩ باب غزوة بني المصطلق.