بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٠
اتَّخَذُوا مِنْ دونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيئاً وَلاَ يَعْقَلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ) [١].
ولأجل كونه حقاً مختصاً باللّه ، لا يشفع النبي الأكرم ولا الشفعاء الأُخر لأحد إلاّ بإذنه سبحانه ، ولكن قوله « للّه الشفاعة جميعاً » ليس معناه أنه سبحانه هو الشفيع دون غيره ، لبداهة أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند أحد ، بل معناه أنه مالكٌ لمقام الشفاعة ، لا يملكه غيره ولا يشفع إلاّ بإذنه.
هذا وإنّ المشركين كانوا على خلاف ذلك كما يعرب عنه قوله سبحانه : « قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ».
وفي الختام نذكر النقطة الأخيرة من كلامهم ، وهي أنّ النبي الأكرم بعد التحاقة بالرفيق الأعلى لا يسمع بدليل قوله سبحانه ( إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ ) [٢].
وقوله : ( إنَّ اللّه يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مِنْ في القُبُورِ ) [٣] ، ولكنّك عرفت أنّ الآيتين لا تمتّان إلى طلب الشفاعة عن الأنبياء بصلة ، فإنّ الأجساد الراقدة تحت التراب ، غير قادرة على الإدراك والسماع ، ولكن المخاطب هو الروح الطاهرة والحية الّتي تعيش بالجسد البرزخي في عالم البرزخ ، والخطاب لتلك الأرواح النورانية والشفاعة تطلب منها ، وأمّا السعي إلى الحضور في مقابرهم ومراقدهم فلأجل أنّ الحضور فيها يهيّىء أنفسنا للاتصال بأرواحهم المقدسة ، وعند ذلك نجد في أنفسنا دافعاً إلى التحدّث معهم وهم يستمعون إلينا.
هذا هو الإمام الصادق عليهالسلام أحد الأئمة يعلّم شيعته كيفية زيارة أئمة أهل البيت بقوله :
[١] سورة الزمر : الآية ٤٣ ـ ٤٤.
[٢] سورة النمل : الآية ٨٠.
[٣] سورة فاطر : الآية ٢٢.