بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٤
إذا كان القرآن كتاب هداية للبشر والناس يتخذونه قدوة وأُسوة ، فلو كان هذا النوع من الحلف حراماً على العباد ، وأمراً خاصاً باللّه سبحانه ، لكان المفروض أن يحذّر منه القرآن ، ويذكر بأن هذا من خصائصه سبحانه.
ومن هنا يعلم أنّ توصيف الحلف بغير اللّه بكونه شركاً صغيراً يستلزم نسبة الشرك إلى اللّه سبحانه ، وإذا كانت ماهية الحلف بغير اللّه ماهية شركية فلا يفرق بينه وبين عباده ، فإذا كانت ماهية الشيء ظلماً وتجاوزاً على البريء ، فاللّه وعباده فيه سيان ، قال تعالى : ( قُلْ إنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا تَعْلَمونَ ) [١].
إنّ الحلف بهذه العظائم كما يتضمن الدعوة إلى التدبّر والدقة في صنعها ، والنواميس السائدة عليها ، واللطائف الموجودة فيها ، وبالتالي يحتج بها على صانع لها عالم وقادر وحي و ... ، كذلك يتضمن جواز الحلف بها إذا كان موجوداً مقدساً ، كما حلف سبحانه بحياة النبي وقال :
( لَعَمْرُكَ إنَّهُم لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمِهُونَ ) [٢].
عرض المسألة على الأحاديث
هذا بالنسبة إلى القرآن ، وإليك عرض المسألة على سنة النبي الأكرم ، أعني قوله وفعله وتقريره ، فقد حلف بغير اللّه في موارد عديدة منها :
١ ـ روى مسلم في صحيحه :
« جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول اللّه أىّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال : أما وأبيك فننبئنّك : أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل البقاء » [٣].
٢ ـ روى مسلم أيضاً :
[١] سورة الأعراف : الآية ٢٨.
[٢] سورة الحجر : الآية ٧٢.
[٣] صحيح مسلم ، ج ٣ ، كتاب الزكاة ـ باب أفضل الصدقة ، ص ٩٤.