بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩
بُيُوتِكُم إنَّ في ذَلِكَ لآيةً لَكُمْ إنْ كُنْتُم مُؤمِنينَ ) [١].
فَمَنْ ذا الّذي يسمع كلامه هذا ـ ولا يعتقد بسلطته الغيبية؟ ولا يسأله كشف الكرب والملمات بإذنه سبحانه؟ أفيصح للمودودي أن يتّهم أُمة المسيح وفيهم الحواريون الذين أُنزلت عليهم مائدة من السماء ومدحهم سبحانه في الذكر الحيكم [٢]بالشرك ؟
هذا هو الذكر الحكيم ينقل عن السامري قوله : ( بَصُرْتُ بِما لَمْ يِبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وكذَلِكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي ) [٣].
وهو يعطي أنّ السامري توسّل بالتراب المأخوذ من أثر الرسول ، وكان له أثر خاص في إخراج العجل الّذي كان له خوار. فلو اعتقد المسلم ـ تبعاً للقرآن ـ بأنه توسل باسباب غير طبيعية لإضلال قومه ، فهل يصحّ اتهامه بالشرك؟.
وبالجملة : ليس الاعتقاد بالسلطة الغيبية في مقابل الاعتقاد بالسلطة العادية ، كما وليس التوسل بالأسباب غير العادية في مقابل التوسل بالأسباب العادية ، معيارين للتوحيد والشرك ، بل كل واحد منهما يمكن أن يقع على وجهين ، فعلى وجه يوافق الأُصول التوحيدية ، وعلى آخر يخالفها.
٣ ـ هل الموت والحياة ملاكان للتوحيد والشرك؟
يظهر من الوهابيين أنهم يجوّزون استغاثة الأحياء ، وفي الوقت نفسه يرون استغاثة الأموات شركاً. يقول محمد بن عبدالوهاب : وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي رجلا صالحاً تقول له : ادع اللّه لي ، كما كان أصحاب الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم يسألونه في حياته ، وأمّا بعد مماته فحاشا وكلاّ أن يكونوا سألوا ذلك ، بل أنكر السلف على من قصد دعاء اللّه عند قبره ، فكيف بدعاء نفسه [٤].
[١] سورة آل عمران : الآية ٤٩.
[٢] سورة المائدة : الآية ١١٥ وسورة الصف : الآية ١٤.
[٣] سورة طه : الآية ٩٦.
[٤] كشف الشبهات ـ طبع مصر ـ ص ٧٠.