بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧١
ينفي صلاحية من في السماوات والأرض لأن يكون معبوداً لأجل أنهم عباد الرَّحمن ، قال : ( إن كُلّ مَنْ في السّمواتِ والأرْضِ إلاّ آتي الرّحمنِ عَبْداً ) [١] ، فليسوا أرباباً ليدبّروا أُمورهم ، ولا خالقين ليخلقوهم.
نعم ، الاعتقاد بالربوبية ينحل إلى الاعتقاد بأنه يملك شؤون العابد ، إمّا في جميع الجهات كما هو الحال في إله العالم عندن الموحدين ، أو بعض الشؤون كالشفاعة والمغفرة ، أو قضاء الحوائج ورفع النوازل ، كما هو الحال في الآلهة الكاذبة عند المشركين ، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينفي عن معبوداتهم كونهم مالكين لكشف الضر. قال : ( لاَ يَمْلِكُونَ لاِنفُسِهِم نَفْعاً ولا ضرّاً ) [٢] ، وقال تعالى : ( لا يَمْلِكُونَ كَشْف الضُّرّ عَنْكُمْ ولا تَحْويلا ) [٣] وقال : ( لا يَمْلُكون عَنِ الشّفاعة إلاّ مَنِ اتّخَذَ عِنْدَ الرّحْمنِ عَهْداً ) [٤].
وقال : ( إنّ الذينَ تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُم رِزْقاً ) [٥] إلى غير ذلك من الآيات الّتي بتاتاً ، تملّك معبوداتهم المدعاة شيئاً من شؤونه سبحانه.
وهذا يعرب عن أنّ وجه اتّصاف خضوعهم بالعبادة ودعائهم لها ، هو اعتقادهم بأنهم أرباب يملكون ما ينفع في حياتهم عاجلا أو آجلا ، ويؤيد ذلك ما كانوا يرددون في ألسنتهم حين الطواف والسعي ويقولون : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك ، تملكه وما ملك.
وأما الثالث : وهو الاعتقاد بكون المخضوع له مستقلا إمّا في ذاته وفعله ، أو في فعله فقط ، الإلماع إليه في غير موضع من كتاب اللّه العزيز ، وهو توصيفه سبحانه بالقيوم ، قال سبحانه : ( اللّه لا إله إلاّ هُوَ الحَيُّ
[١] سورة مريم : الآية ٩٣.
[٢] سورة الرعد : الآية ١٦.
[٣] سورة الإسراء : الآية ٥٦.
[٤] سورة مريم : الآية ٨٧.
[٥] سورة العنكبوت : الآية ١٧.