بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٩
الآية : « ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه » وكان وجه عبادتهم لهم هو قولهم : « هؤلاء شفعاؤنا » [١].
إنّ الاستدلال بالآية على كون طلب الشفاعة شركاً من غرائب الاستدلال وعجائبه ، فإنّ الآية لو لم تدل على أنّ طلب الشفاعة يغاير عبادتهم لها ، لا تدل على أنّ طلب الشفاعة عبادة للمدعو ، وذلك أنه ورد في الآية جملتان نسبتهما إلى المشركين :
١ ـ ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرّهم ولا ينفعهم.
٢ ـ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه.
والعطف يدل على المغايرة ، وأنّ هنا عبادة ، وأنّ هناك أمراً آخر وهو طلب الشفاعة ، وما هذا الخلط؟
ولنفترض أنّ طلب شفاعتهم كان عبادة لمعبوداتهم ، وأنّ الجملة الثانية من قبيل عطف العام على الخاص ولكن أين طلب شفاعة المسلم الموحّد من سيد الموحدين ، من طلب شفاعة عبدة الأصنام والأوثان ، فالمشركون كانوا يعتبرون الأوثان مالكة للشفاعة والمغفرة ، فكان اللّه في معزل عنهما تماماً ، ولا شك أنّ طلب الشفاعة من أىّ موجود مقروناً بهذا الاعتقاد يعد شركاً ، لأنّ هذا الطلب مقرون بألوهية المدعو وربوبيته ، في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة والدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرباً إلى اللّه ، وإنساناً وجيهاً عنده ، أذن اللّه تعالى له في شفاعة المجرمين ، وادّخرها النبي لأهل الكبائر من أُمته ، كما ورد عن النبي الأكرم ، ورواه الفريقان.
والمصدر لهذه التهمة هو أنّ القوم لم يضعوا حداً منطقياً جامعاً ومانعاً للعبادة حتّى يميزوا به الدعاء العبادي عن غيره ، فجعلوا يخبطون خبط عشواء لا يميزون بين الصحيح والسقيم.
نعم ، إنّ الشفاعة حق خاص باللّه دل عليه الذكر الحكيم وقال : ( أَمِ
[١] مجموعة الرسائل والمسائل : ج ١ ص ١٥.