بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١١
وأمّا الثانية فالمصيبة فيها أعظم ، فإن لازم الحلف بشيء على اللّه ، أن يكون المحلوف به محترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء ، لا كونه أعظم من المحلوف عليه ، فالرجل لم يفرق بين كونه أكرم عند الّه وبين كونه أعظم من اللّه ، والحاصل أنّ هذه التفلسفات لا تكون مدركاً للتشريع والإفتاء بالحرمة ، فيجب اتّباع النص وتعليل المسألة في ضوء القواعد الفقهية ، فها هنا مقامان :
١ ـ هل الحلف بمخلوق على اللّه شرك؟
٢ ـ هل هناك ما يدل على حكم هذا الحلف؟
أمّا الشرك فقد حددناه ووضعنا له حداً منطقياً ، وهو الخضوع عن اعتقاد بألوهية المخضوع له وربوبيته ، أو كونه قائماً بفعله سبحانه ، وهل ينطبق هذا الحد على الحلف بالمخلوق على اللّه؟
إنّ الذكر الحكيم يصف بعض عباد اللّه ويقول :
( الصَّابِرينَ والصَّادِقينَ والقَانَتِينَ والمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرينَ بِالأسْحَارِ ) [١].
فلو أنّ إنساناً قام في هزيع من الليل وصلّى لربه ركعات ، ثم تضرع إلى اللّه قائلا :
« اللّهمّ إنّي أسألك بحق المستغفرين في الأسحار ، اغفرلي ذنبي » فهل يصحّ لنا أن نعده مشكركاً ، وأنه أشرك الغير في عبادة اللّه ، مع أنه رفع يديه إلى اللّه سبحانه ودعاه بالضراوة؟
إنّ القرآن الحكيم ذكر مقياساً للتمييز بين المشرك والموحّد فقال :
( إِنَّهُم كَانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إلاّ اللّه يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقولُونَ أَئِنّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنا لِشَاعِر مَجْنُون ) [٢].
[١] سورة آل عمران : الآية ١٧.
[٢] سورة الصافات : الآية ٣٥ ـ ٣٦.