بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٨
التذلل ، والعبادة أبلغ منها ، ولكن هذه التعاريف وأمثالها كتفسيرها بالطاعة كما في القاموس ، كلها تفسير بالمعنى الأعم ، فليس التذلل وإظهار الخضوع والطاعة نفس العبادة ، وإلاّ يلزم الالتزام بأُمور لا يصحّ لمسلم أن يلزم بها :
١ ـ يلزم أن يكون خضوع الولد أمام الوالد ، والتلميذ أمام الأُستاذ ، والجندي أمام القائد ، عبادةً لهم.
قال تعالى : ( وَاخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرحْمَةِ ) [١].
٢ ـ يلزم أن يكون سجود الملائكة لآدم ، الّذي هو من أعلى مظاهر الخضوع ، عبادةً لآدم. قال سبحانه : ( واذ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ... ) [٢].
٣ ـ يلزم أن يكون سجود يعقوب وزوجته وأبنائه ليوسف عبادة له. قال سبحانه : ( وَرفَعَ أبَوَيْهِ عَلَى العَرشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْياىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقاً ) [٣].
٤ ـ يلزم أن يكون تذلل المؤمن عبادة له ، مع أنه من صفاته الحميدة ، قال تعالى : ( فَسَوفَ يَأتِي اللّه بَقَوْم يُحبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، أذِلَّة عَلَى المُؤمِنينَ أعَزّة عَلَى الكَافِرينَ ) [٤].
كل ذلك يدفع بنا إلى القول بأنّ تفسير العبادة بالتذلل والتخضع أو إظهارهما ، وبالطاعة وما يشابه ذلك تفسير بالمعنى الأعم ، ولا يكون الخضوع ضعيفهُ وشديدهُ عبادةً إلاّ إذا دخل فيه عنصر قلبي خاص يميزه عن مماثلاته ومشابهاته ، وهذا العنصر عبارة عن أحد الأمور التالية :
١ ـ الاعتقاد بألوهية المعبود.
[١] سورة الإسراء : الآية ٢٤.
[٢] سورة البقرة : الآية : ٣٤.
[٣] سورة يوسف : الآية ١٠٠.
[٤] سورة المائدة : الآية ٥٤.