بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١١
وبما أنّ أهل الكتاب معروفون بالشرك وعبادة غير اللّه طيلة الأجيال والقرون ، فالمسيحية تعبد ـ المسيح وأمه ـ كما أنّ كثيراً منهم اتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون اللّه ، يحرّمون ما أحلّ اللّه ويحلّلون ما حرّم اللّه.
اليهود هم الذين طلبوا من نبيهم أن يجعل إلهاً كما أنّ لغيرهم آلهة ، وهم الذين عبدوا العجل ، بل عبدوا بعد رحلة الكليم أرباباً وآلهة ، فهم كأنهم مفطورون على الوثنية وعبادة البشر ـ فعند ذلك ـ ينصرف الحديث إلى عمل يلحق المسلم بهم ، ولا يمكن أن يدّعى أنّ الحديث يعم ما إذا كان عمل اتخاذ القبور مساجد مجرّداً عن أىّ شرك ، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرك بهم.
٢ ـ نرى أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم يصف هؤلاء الجماعة بكونهم شرار الناس. فقد روى مسلم في كتاب المساجد أنّ أُم حبيبة وأُم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة فيها تصاوير ، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بني على قبره مسجد ، وصَوّر فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند اللّه [١].
إنّ توصيفهم بأنهم شرار الخلق عند اللّه ، يميط الستر عن حقيقة عملهم ، إذ لا يوصف الإنسان بالشر المطلق ، إلاّ إذا كان مشركاً. قال سبحانه : ( إنَّ شَرَ الدَّوابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الّذينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) [٢] ، وقال تعالى : ( إنَّ شَرَّ الدّوَابِّ عِندَ اللّهِ الّذينَ كَفَرُوا فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ ) [٣].
كل ذلك يكشف عن مرمى الحديث ، وأنّ عملهم لم يكن عملا مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فيه ، أو إقامة الصلاة عند القبور ، بل كان عملا مقترناً بالشرك بألوانه وصوره المختلفة ، كاتخاذ القبر إلهاً ومعبوداً أو قبلة عند الصلاة ، أو السجدة عليها بمعنى اتخاذها مسجوداً.
٣ ـ إنّ الروايات الناهية الواردة في المقام على قسمين :
[١] صحيح مسلم ج ٢ كتاب المساجد ص ٦٦٦.
[٢] سورة الأنفال : الآية ٢٢.
[٣] سورة الأنفال : الآية ٥٥.