بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٤
كثيراً من الأمور الخارقة للعادة إلى أنبيائه ، فلم تكن هذه النسبة إلاّ لأجل أنّهم يقومون بما يقومون ، بإذنه سبحانه.
وحصيلة الكلام : التوسّل بالأسباب بقيد أنّها أسباب ـ سواء أكانت طبيعية أم غير طبيعية ـ لا يلازم الشرك ، نعم ، السبب ربما يكون سبباً واقعياً ، وأُخرى سبباً كاذباً وخاطئاً ، والاشتباه في سببية السبب لا يستلزم الاعتقاد بألوهية السبب أو ربوبيته ، أو كون الطلب منه طلب فعل اللّه من غيره.
ونعيد الكلام حتّى يتّضح الحق بأجلى مظاهره فنقول : إنّ التعلّق بالشيء والطلب منه مع الاعتقاد بالسببية ، وأنّ اللّه سبحانه أعطاه المقدرة على إنجاز المأمول يمتنع أن يتصف بالشرك ، لأنّ المفروض أنّ المتوسل إنّما تعلّق به بقيد كونه رابطاً وسبباً.
نعم يمكن أن يكون المتوسل صائباً في الاعتقاد بالسببية أو خاطئاً ، ولكن الاشتباه في الموضوع لايكون دليلا على الاعتقاد.
وأمّا إذا كان التعلق بالشيء لا بوصف السببية والرابطية ، بل بما أنّ المطلوب منه ، موجود مستقل في فعله وإيجاده ، يقوم بالفعل بنفسه ، ويقوم بحاجة المستنجد من صميم ذاته من دون أن يكون سبباً ورابطاً بين الإنسان وربّه ، فهذا يكون ملازماً للإعتقاد بالألوهية من دون نقاش.
كان اللائق بابن تيمية ونظرائه دراسة فعل اللّه سبحانه وتمييزه عن غيره ، حتّى لا يحكموا بضرس قاطع بأنّ الإعانة والإماتة والشفاعة وغيرها على الإطلاق من أفعال اللّه سبحانه ، بل الحق أنّ كلاّ من هذه الأفعال يقع على وجهين ، فهو على وجه فعله سبحانه ، وعلى وجه آخر يصحّ أن يعدّ فعلا للسبب ، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينسب فعلا واحداً لذاته ، وفي الوقت نفسه ينسبه لمخلوق من مخلوقاته ، وإليك نماذج من ذلك :
١ ـ يعدّ القرآن ـ في بعض آياته ـ قبض الأرواح فعلا للّه تعالى ، ويصرح بأنّ اللّه هو الّذي يتوفّى الأنفس حين موتها إذ يقول مثلا :