بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٦
فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل ، فما ربما يرمي التجنيد العمومي إلى أنّه بدعة ، غفلة عن حقيقة الحال ، وإنّ الإسلام يتبنىّ الأصل ، ويترك الصور والألوان والأشكال إلى مقتضيات الظروف.
هذا هو الأصل الّذي به نميز « البدعة » عن « التطبيق » ، و « الابتداع » عن « الاتّباع » وإليك بعض الكلمات من المخالفين للذكريات وغيرهم حول ما هو بدعة وما ليس ببدعة ، والكل يؤكد ما قلناه :
قال ابن رجب : قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « وإيّاكم ومحدثات الأُمور فإنّ كل بدعة ضلالة » تحذير للأُمة من اتّباع الأُمور المحدثة المبتدعة ، وأكد ذلك بقوله : « كل بدعة ضلالة » والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ، وأمّا ما له أصل فليس ببدعة ، وإن كان بدعة لغةً ، وفي صحيح مسلم : « عن جابر رضياللهعنه أن النبي كان يقول في خطبته : « إن خير الحديث كتاب اللّه ، وخير الهدى هدى محمد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ... » وقوله : « كل بدعة ضلالة » من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء ، وهو أصل عظيم من أُصول الدين ، وهو شبيه بقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة ، والدين بريء منه [١].
وقال ابن حجر في شرح قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه » والمحدثات ـ بفتح الدال ـ جمع محدثة ، والمراد ما أُحدث وليس له اصل في الشرع ، ويسمى في عرف الشرع بدعة ، وما كان له اصل يدل عليه الشرع ، فليس ببدعة فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة ، فإنّ كل شيء أُحدث على غير مثال يسمى بدعة ، سواء أكان محموداً أم مذموماً ، وكذا القول في المحدثة [٢].
[١] جوامع العلوم والحكم ص ٢٣٣.
[٢] فتح الباري ج ١٣ ص ٢٥٣.