بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٣
أشركوهم في تفويض أمر التشريع والتقنين إليهم ، وزعموا أنهم يملكون شأناً من شؤونه سبحانه.
قال الإمام الصادق عليهالسلام : « واللّه ما صَامُوا لَهُم ، ولاَ صَلُّوا لَهُم ، وَلَكِن أحَلُّوا حَرَماً وحرّموا عَلَيْهِم حَلاَلا فاتّبعوهم » [١].
روى الثعلبي في تفسيره : عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول اللّه وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال لي : « يا عدي ، اطرح هذا الربق من عنقك » قال : فطرحته ، ثم انتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ) حتّى فرغ منها ، فقلت : إنّا لسنا نعبدهم ، فقال : أليس يحرّمون ما أحلّه اللّه ، فتحرّمونه ، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه؟ قال : فقلت : بلى. قال : فتلك عبادة [٢].
وفي ضوء هذا البحث الضافي تستطيع أن تميّز العبادة عن غيرها ، والتعبّد عن التكريم ، والخضوع العبادي عن التعظيم العرفي وتقف على أنّ سجود الملائكة لآدم ، ويعقوب وزوجته وأبنائه ليوسف ، لم تكن عبادة قط ، وما هذا إلاّ لأن خضوعهم لم يكن نابعاً عن الاعتقاد بألوهيتهما أو ربوبيتهما ، أو أنهما يملكان شؤون اللّه سبحانه ، كلها أو بعضها ، ويقومان بحاجة المستنجد بنفسهما وذاتهما.
ومما يؤيد أنّ خضوع المشركين أمام أوثانهم وأصنامهم كان ممزوجاً بالاعتقاد بكونهم آلهة صغيرة ، أو أرباباً ، وموجودات تملك شؤون الرب أو بعضها ، أنهم كانوا يصفونها بأنها أنداد للّه سبحانه. قال سبحانه : ( ومنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونَ اللّه أنْداداً يُحِبُّونَهُم كَحُبّ اللّه ) [٣] ولما زعموا أن معبوداتهم المصطنعة ، تستجيب دعاءهم وتشفع لهم مثله ، عادوا يحبّونها كحب اللّه ، ويذكر في آية أُخرى أنّ المشركين كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين.
[١] الكافي ج ١ ص ٥٣.
[٢] مجمع البيان ج ٣ ص ٢٣ والبرهان في تفسير القرآن ج ٢ ص ١٢٠.
[٣] سورة البقرة : الآية ١٦٥.