بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢
ما هو الحق ، غير أن تقييم الرجل بنقل آراء الأكابر من العلماء وإن كان له قيمة ـ ولكنّه تقييم تقليدي لهم ـ ومن أراد تقييمه عن اجتهاد وإمعان فيجب أن يستعرض آراءه وأقواله من كتبه ورسائله ، ليعرف ما هو الحق في ذلك المجال ، وعندئذ يصدر القاضي عن اجتهاد وإمعان ، لا عن تقليد واقتداء بالغير ، ولأجل ذلك نخص الفصل الآتي بنقل آرائه في مواضع مختلفة ، ونكتفي ببعضها الّذي أوجد ضجة في الأيام الغابرة ، وقام العلماء في وجهه كصف واحد ، وزجروه وعاتبوه ونفوه وسجنوه ، إلى أن مات في سجن دمشق ، ولا ينافي كل ذلك ما للرجل من فضل وفضيلة في نواح من العلوم الإسلامية ، فإنه لولا تحلّيه بالذكاء والتوقّد ، أو بالعلم بالكتاب والسنة لما اكتسب مقاماً في الأوساط الإسلامية ، ولم يكن لآرائه قيمة ، فالمبدع لا يكون ناجحاً في بدعه وضلاله إلاّ إذا خلط الحق بالباطل ـ وإلاّ ـ فالباطل المطلق لا يكون له نجاح ونفوذ ، ولنعم ما قال أميرالمؤمنين علىّ عليهالسلام :
« إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب اللّه ، ويتولى عليها رجال رجالا ، على غير دين اللّه. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق ، لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل ، انقطعت عنه السنُ المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى » [١].
[١] نهج البلاغة الخطبة ٤٩.