بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٧
المسلمين يعبدون اللّه وحده ، ولا يتوجّهون إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه ، ويشفع لهم عنده ، وأين هو من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه ، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم ، وما هذه إلاّ مغالطة مفضوحة ، وقد تكررت هذه الظاهرة في أكثر رسائله وكتبه ، فإليك نتفاً منها في كتابه الآخر المسمى بكشف الشبهات الّذي فرض تدريسه على علماء الحرمين في بعض الفترات الّتي شهد لها التاريخ ، حيث يقول في حق النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم :
١ ـ « أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً ، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه ، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه ، ونريد شفاعتهم عنده ، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين [١].
وفي هذه العبارة من المغالطة مالا يخفى ، فقد حاول تزييف الحقيقة وقال : ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين اللّه ، فقد ركز على التوسيط ، مع أنهم عبدوهم أولا ، واتخذوهم وسائط ثانياً ، فالممنوع هو عبادة الغير لا توسيطه ، فالشيخ يركز على مجرد الوساطة الّتي ليست ملاكاً لشركهم ، ويترك ما هو الملاك لكفرهم ، أعني عبادتهم. وعمل المسلمين على اتخاذ الوسيلة لا على عبادتها.
٢ ـ يقول في موضع آخر ما نصه :
« إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة ، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد ، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً ، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له ، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات ، أو نبياً مثل عيسى [٢].
فتراه كيف يستر الحقيقة فيقول : « ثم منهم من يدعو الملائكة أو يدعو
[١] كشف الشبهات : ص ٣.
[٢] محمد بن عبدالوهاب : كشف الشبهات ، ص ٤ ، ط مصر بتصحيح محب الدين الخطيب.