بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٤
تعالى : ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً ) [١] ، هذا هو النذر.
وقد تعارف بين المسلمين أنّ النذر للّه وإهداء ثوابه لأحد أولياء اللّه وعباده الصالحين ، وكانت عليه السيرة بين المسلمين ، إلى أن جاء الدهر بابن تيمية فحرّم ذلك كما عرفت من عبارته ، وقد نقل عنه أيضاً العبارة التالية ، وقال : « من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين والأولياء من أهل القبور ، أو ذبح ذبيحة ، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها ، فهو عابد لغير اللّه ، فيكون بذلك كافراً » [٢].
عجيب جداً حكم ابن تيمية وتكفيره المسلمين بحجة أنّ عمل الناذر يشبه عمل المشركين ، أيصحّ في ميزان النصفة الحكم بتكفير المسلمين الذين أرسوا قواعد التوحيد ، وحملوه جيلا بعد جيل إلى عصر ابن تيمية ، بمجرد أنّ عمل الذابح والناذر يشبه عمل المشركين.
فلو كان هذا ملاكاً للتكفير فابن تيمية والوهابيون وحماة هذه البدع من أعظم المشركين! فإنّ كثيراً من مناسك الحج وفرائضه ( الّتي يقوم بها المسلمون من غير فرق بين الوهابي وغيره ) تشبه في ظاهرها أعمال عبدة الأصنام ، فقد كانوا يطوفون حول أصنامهم ويقبّلونها ، ونحن أيضاً نطوف حول الكعبة المشرفة ونقبّل الحجر الأسود ، ونذبح الذبائح ونقرّب القرابين في منى يوم عيد الأضحى ، كما كانوا يذبحون لأصنامهم ، أفيصح تكفير الجميع لأجل هذه المماثلة؟
أو المقياس هو النية القلبية ، وأنّ المعيار هو النية والضمائر دون المشابهة والظواهر ، وقد قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : إنما الأعمال بالنيات [٣].
[١] سورة الإنسان : الآية ٧.
[٢] نقله عنه شهاب الدين ابن حجر الهيثمي في كتاب « الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم » كما في فرقان القرآن للعزامي القضاعي ، ص ١٣٢.
[٣] صحيح البخاري : ج ١ ، كتاب الإيمان ص ١٦.