بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٧
لأجل ذلك. وقد أشار إلى ذلك « السبكي » وقال : ليس في توسله بالعباس إنكار للتوسل بالنبي أو بالقبر ، ولعل توسل عمر بالعباس لأمرين :
أحدهما : ليدعو كما حكينا من دعائه.
الثاني : إنَّه من جملة من يستسقي وينتفع بالسقيا وهو محتاج إليه ، بخلاف النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه الحالة فإنه مستغن عنها ، فاجتمع في العباس الحاجة وقربه من النبي وشيبه ، واللّه يستحيي من ذي الشيبة المسلم ، فكيف من عم نبيه ، ويجيب دعاء المضطر فلذلك استسقى عمر بشيبته [١].
هذا ويصرح الذكر الحكيم بأنه ما نفع إيمان قوم بعد إشراف العذاب عليهم ، إلاّ قوم يونس ، قال سبحانه :
( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمَانُها اِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ في الحَيَاةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِين ) [٢].
ذكر المفسرون : إنّ قوم يونس لما عاينوا العذاب ، أشار إليهم العالم الموجود فيهم بقوله : افزعوا إلى اللّه فلعلّه يرحمكم ويرد العذاب عنكم ، فاخرجوا إلى المفازة وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها ، ثم ابكوا وادعوا. ففعلوا فصرف عنهم العذاب [٣].
ولم يكن هذا العمل إلاّ لأجل استنزال الرحمة على النحو الّذي عرفت.
نعم ، ما ذكره في آخر كلامه من أنه أمر عبادىّ يحتاج إلى الدليل فهو كلام متقن ، ولكنّه ليس معناه أن يكون الدليل المطلوب دليلا بالخصوص ، بل لو كان هناك عام أو إطلاق حول التوسل بدعاء النبي فيؤخذ بإطلاقه ، سواء أكان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في دار التكليف أم في البرزخ ، وإليك البيان :
[١] شفاء السقام : ص ١٤٣ ـ ١٤٤.
[٢] سورة يونس : الآية ٩٨.
[٣] مجمع البيان : ج ٣ ص ١٣٥.