بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣
خارج قصورهم ، فقد كانت القوى الكافرة محيطة بدار الخلافة ، والخليفة كان غافلا عمّا يجري خارج القصر ، وكانت تلعب بين يديه جاريته فلم يوقظه من الغفلة أو السكرة إلاّ إصابة نبل الخصم لجاريته ، فإذا كان هذا هو الإسلام وهذا خليفته ، وهذا شعوره وإحساسه ، فعلى الإسلام السلام ، وعلى تلك الخلافة العفاء.
وقد عرفت أنّ ابن الأثير كان من المشاهدين للقضايا عن كثب ، ويعرف الخلفاء وسلاطينهم بأنّهم بلغوا من العقلية إلى درجة لا يهمّهم إلاّ ما يهمّ البهيمة من إشباع بطنها وارضاء فرجها [١].
ومن المعلوم أنّ الفساد لم يكن مقتصراً على بلاط الخلفاء ، بل الانحلال الخلقي والانحطاط المعنوي كان سائداً على الغالبية العظمى من المجتمع ، إذ الناس على دين ملوكهم ، ومن العجب أنّ المؤرخين الأباعد يحملون وزر سقوط الخلافة العباسية على عاتق الوزير الشيعي مؤيّد الدين ابن العلقمي ، الّذي يصفه ابن الكثير بقوله : « وكان عنده فضيلة في الإنشاء وليديه فضيلة في الأدب » ويضيف أيضاً : « إنّه أشار على الخليفة بأن يبعث إلى هولاكو بهدايا سنية ليكون ذلك مدارة له عمّا يريده من قصد بلادهم ، فخذّل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير « أيبك » وغيره ، وقالوا إنّ الوزير إنّما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال ، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير ، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكوخان » [٢].
ومن الظلم إلقاء جريرة سقوط بغداد على عاتق هذا الوزير مع كون الخليفة على الحال الّتي سمعتها من ابن الكثير ، وكون الملوك والسلاطين لا يهمّهم إلاّ بطنهم وشهوتهم ، مع اشتعال نار الخلاف بين الرؤساء والقادة الشاغلين منصّة قيادة المجتمع الإسلامي ، فلا تنتج تلك المقدمات إلاّ هذا الوضع الوبيل ، إنّا للّه وانّا إليه راجعون.
[١] الكامل في التاريخ ج ١٢ ص ٣٧٥.
[٢] البداية والنهاية ج ١٣ ص ٢١٤.