بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٠
الهياج منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون واطئة » [١].
إنّ دلالة الحديث على منع تسنيم القبور ظاهرة ، وأمّا دلالتها على عدم ارتفاعها فغير ظاهر ، بل مردود باتفاق أئمة الفقه على استحباب رفعها قدر شبر [٢].
٢ ـ قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ما هذا نصه :
(مسنَّماً بضم الميم وتشديد النون المفتوحة أي : مرتفعاً. زاد أبو نعيم في مستخرجه : وقبر أبوبكر وعمر كذلك واستدل به على أنّ المستحب تسنيم القبور ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية.
وقال أكثر الشافعية ونص عليه الشافعي : التسطيح أفضل من التسنيم ، لأنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم سطح قبر إبراهيم ، وفعله حجة لا فعل غيره ، وقول السفيان التمار « رأى قبر النبي مسنّماً في زمان معاوية » لا حجة فيه ، كما قال البيهقي ، لاحتمال أنّ قبره صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبري صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة ـ إلى أن قال ـ : ولا يخالف ذلك قول علىّعليهالسلام أمرني رسول اللّه أن لا أدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته ، لأنّه لم يرد تسويته بالأرض ، وإنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار ، ونقله في المجموع عن الأصحاب [٣].
٣ ـ وقال النووي في شرح صحيح مسلم : إنّ السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً ، ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه ، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها ، وهو مذهب مالك [٤].
ويؤيد ذلك أنّ صاحب الصحيح ( مسلماً ) عنون الباب بـ ( باب تسوية القبور ) ثم روى بسنده إلى تمامه قال : كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم ،
[١] تفسير القرطبي ج ٢ ص ٣٨٠ تفسير سورة الكهف.
[٢] الفقه على المذاهب الأربعة ج ١ ص ٤٢.
[٣] إرشاد الساري ج ٢ ص ٤٦٨.
[٤] صحيح مسلم بشرح النووي ج ٧ ص ٣٦ الطبعة الثالثة ـ دار إحياء التراث العربي.