بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٢
الألفاظ والصفات ، فاليد والرجل بلا كيفية ليستا يداً ورجلا بالمعنى اللغوي المتبادر عرفاً ، وعلى ضوء ذلك فليس هنا إلاّ سلوك أحد طريقين :
١ ـ جريها بنفس معانيها اللغوية الّتي تتبادر منها المفاهيم المتكيفة ، فهو نفس القول بالتجسيم.
٢ ـ جريها بمفاهيمها المجازية ، ككون اليد كناية عن القدرة ، كما في قوله سبحانه : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشاء ) [١] ، فهذا هو قول المؤوّلة ، أو المعطلة باصطلاح ابن تيمية ، وليس ههنا معنى ثالث ينطبق على ما يتبنّاه ابن تيمية ، وهو إجراؤها على اللّه بنفس مفاهيمها ، لكن من غير تكييف ، وذلك لما عرفت أنّ مفاهيمها متقوّمة بالتكييف والتمثيل ، فلو حذفنا الهيئة والكيفية من اليد ، فلا يبقي منها شيء ، كما أنّا لو حذفنا الحركة الحسية من النزول لا يبقى منه شىء ، إلاّ إذا حملا على الكناية والتأويل ، وهو ما لا يقبله ابن تيمية وأتباعه.
ولو صحّ حمل هذه المفاهيم عليه سبحانه بالتذرّع بـ « بلا تكيف » و « لا تمثيل » لصحّ توصيفه سبحانه بكل شيء فيه أدنى كمال ، ونقول : إنّه جسم لا كالأجسام ، وله قلب لا كهذه القلوب ، وله لسان ناطق لا كهذه الألسنة.
وخلاصة القول : إنّ ابن تيمية يرى نفسه بين أمرين :
أحدهما : القرآن بظواهره الحرفية حجة لا يصحّ لأحد تأوليها أو حملها على الكناية والمجاز.
ثانيهما : إنَّ القرآن صريح في أنّه ليس كمثله شيء ، وأنّ المشركين ما قدروا اللّه حق قدره ، إلى كثير من آيات التنزيه.
فعند ذلك يريد أن يجمع بين الأمرين باللجوء إلى أنّ المقصود ما يناسب ساحته ، زاعماً بأنّه ينجيه عن القول بالجهة والتجسيم ، مع أنّه ليس لنا إلاّ اختيار أحد الأمرين : الأخذ بالمفاهيم اللغوية بلا تأويل ومرجعه إلى
[١] سورة المائدة : الآية ٦٤.