بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٣
|
أمِْن تذكُّر جيران بذي سَلَم |
|
مَزجْتَ دمعاً جرى من مقلة بدم |
|
أم هبت الريح من تلقاء كاظمةً |
|
وأومض البرق في الظلماء من أضم [١] |
فهل يتصور أن يعد ذلك أمراً محرماً وبدعة؟ وكأنّ الرسول يجب أن يكون خامل الذكر. ولو هتف به هاتف بالتكريم يكون آثماً ، يجب أن يجلد أو يقتل لأجل البدعة أو الشرك : سبحانك يا رب ما أعظم جرأتهم على الحط من كرامة الرسول وعظمته!!
نرى أنه سبحانه خَلَّدَ ذكره ورفع مقامه بمنْحِهِ النبوة وقال : ( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) [٢]فلنفترض أن الآية : « رفعنا لك ذكرك » تشير إلى منح منصب النبوة ، ومقام الرسالة له ، ولكن يستفاد من الآية أن رفع النبي أمر مطلوب للّه سبحانه ، وأن تتويجه بالنبوة سبب لذلك الرفع المحمود ، فالاحتفال بمولده ليس إلاّ تجسيداً لذلك الرفع المطلوب ، وليس لقائل أن يقول : إنّ المطلوب هو رفعه بمنح النبوة له فقط ، فلا يسوغ ترفيعه وتخليد ذكراه في المجتمع عن طريق آخر ، فإنّ ذلك يأباه الذوق السليم.
هذا هو معنى البدعة ، وهذا تحديدها ، فاتخذه مقياساً تميز به المبتدع عن المتشرع ، والبدعة عن السنة ، وبذلك تقف على أن أكثر ما يصفونه بالبدعة له أصل في القرآن والسنة ، ولأجل أن يكون البحث مترامي الأطراف نردفه بالبحث عن التبرك ، حتّى يكون الوقوف على حقيقته معيناً على حل عقدهم ومشاكلهم ، وسيوافيك البحث مستقلا عن الاحتفال بالمواليد.
[١] جواهر الأدب ، أحمد الهاشمي ، ص ٤٦٧ والقصيدة لشرف الدين محمد بن سعيد البوصيري صاحب « البردة » و « الهمزية » ولهذه القصيدة شروح.
[٢] سورة الإنشراح : الآية ٤.