المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٢ - إطلاق البداء على الله سبحانه
إطلاق البداء على الله سبحانه
لاشكّ أنّ إطلاق البداء على الله سبحانه بالمعنى اللغوي غير صحيح، لكن وصفه سبحانه به إنّما هو من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّه سبحانه يعبّر عن فعل نفسه في بعض الموارد بما يعبّر به الناس عن فعلهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية بين الفعلين، وإليك نماذج من هذا النوع من الاستعمال :
يقول سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)[١].
ويقول: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[٢].
وقال عزّ من قائل: (وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[٣].
وقال عز اسمه: (وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)[٤].
إذ لا شكّ أنّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّها من صفات الإنسان الضعيف، ولكنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الإنسان من باب المشاكلة، والجميع كناية عن ابطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه وبالتالي عن جنته ونعيمها.
وعلى ضوء ذلك فلا غرو في أن نعبّر عن فعله بما نعبّر عن أفعالنا، إذا كان التعبير مقروناً بالقرينة الدالة على المراد، فإذا ظهر الشيء بعد الخفاء فبما
[١] النساء: ١٤٢ .
[٢] آل عمران: ٥٤ .
[٣] الأنفال: ٣٠ .
[٤] الجاثية: ٣٤.