المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٨ - الاضطرار إلى ارتكاب الحرام من غير اختيار
لأجل أقوائية ملاك الحرمة وغلبته على الوجوب; لكن الإقوائية إنّما هي فيما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار، إذ عندئذ يصدر عنه الفعل مغضوباً للمولى.
ولكن المفروض أنّ الاضطرار لم يكن بسوء الاختيار بل فُرضَ عليه ارتكاب المحرم من جانب القوي القاهر، فعندئذ ينقلب الأمر ويكون النهي إنشائياً وملاك الوجوب باقياً مؤثراً فيكون صحيحاً وإن لم يكن أمر وذلك لافتراض تقديم النهي على الأمر.
وبذلك يُعلم عدم ورود ما أفاده سيد مشايخنا المحقّق البروجردي حيث قال: إنّ المانع عن تحقّق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية حتّى يصير ارتفاعها سبباً لتحقّقه، بل المانع من تحقّقه وتأثير ملاكه فيه هو أقوائية ملاك الحرمة (أعني: المفسدة الداعية إلى جعلها) من ملاك الوجوب (أعني: المصلحة الباعثة نحو الإيجاب)، فما دامت المفسدة باقية على قوتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب، وإن كان هنا مانع عن فعلية الحرمة أيضاً .[١]
يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال في الصغرى هو وجود مفسدة أقوى من مصلحة الواجب عند الاضطرار، لأنّ العلم بالملاك رهن وجود الحرمة وفعليتها ومع عدمها كيف نستكشف وجود مفسدة أقوى من مصلحة الواجب.
إنّ استقلال العقل بقبح التصرف في مال الغير محدد بصورة الاختيار، والمفروض أنّه مضطر بل فرض عليه التصرف في مال الغير فلا يكون عمله قبيحاً عند العقل، كما أنّ عمله يكون فاقداً للمفسدة الاجتماعية. فوجود
[١] نهاية الأُصول: ٢٤٤، الطبعة الأُولى; لمحات الأُصول: ٢٣٩.