المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤ - مناقشة المقدّمة الأُولى حسب المعايير العلمية
مناقشة المقدّمة الأُولى حسب المعايير العلمية
ولكن الأولى المناقشة في الكبرى، وهو أنّ عدم الشيء مطلقاً ـ سواء كان من قبيل هذا المورد، أو مورد آخر كعدم الرطوبة الّذي يُعدّ مقدّمة لإحراق النار القطن المحاذي لها ـ لا يصلح للمقدّمية، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الأصل في الخارج هو الوجود، والعدم ليس له أيّ أصالة فيه وإنّما هو مفهوم ذهني يصنعه الذهن بتعمّل، مثلاً أنّ الإنسان إذا دخل القاعة أملاً برؤية زيد ولم يره فيها، فهو في الواقع لم ير شيئاً ولم يجد فيها شيئاً لا أنّه يرى عدمه فيها، لكن الذهن بالتعمّل يصنع من هذا مفهوماً ذهنياً باسم العدم مع خلو صفحة الوجود عنه.
وعلى ضوء ذلك فلا معنى لجعل عدم المانع من أجزاء العلّة، إذ ليس له شأن التأثير أو التأثر ولا الموقوف ولا الموقوف عليه.
نعم لمّا كان وجود الضد مزاحماً لوجود الضد الآخر عُبِّر عن هذا التزاحم بأنّ عدم الضدّ شرط لوجود الضد الآخر، وكم فرق بين القول بأنّ الضدّ مزاحم، والقول بأنّ عدمه شرط.
وبعبارة أُخرى: انّ رطوبة الحطب أو القطن مانعة من تأثير المقتضي ـ أي النار ـ فيهما لا أنّ عدم الرطوبة شرط. فالأحكام كلّها للوجودات (الرطوبة مانعة) وينسب إلى الاعدام (عدم الرطوبة شرط) بالعرض والمجاز، وإلى ذلك يشير المحقّق السبزواري في منظومته وشرحه لها ما هذا لفظه: