المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠٨ - الثالث في إمكان النسخ عقلاً وشرعاً
يلاحظ عليه: أنّ هنا قسماً رابعاً غفل عنه، وهو أن يكون الدليل ظاهراً في الاستمرار في نظر المخاطب وإن لم يكن في الواقع كذلك. فيكون الدليل الثاني ناسخاً له رافعاً للحكم حسب الظاهر وإن لم يكن في الواقع كذلك. ولا يُعدّ مثل ذلك تكذيباً للنبيّ، لأنّ ظهور الدليل في الاستمرار كان توهّماً من المخاطب لا تصريحاً من المتكلّم فرفعه بمعنى التنبيه على خطئه، ولذلك يفسّر النسخ في مصطلح الأُصوليين بأنّه رفع حسب الظاهر، ودفع حسب الواقع أي إعلام بانتهاء أمد الحكم وملاكه.
الوجه الثاني: أنّ النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة. وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى، وذلك لأنّ تشريع الحكم من الحكيم المطلق لابد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه، لأنّ الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله، وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إمّا أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنّه حكيم مطلق.
وإمّا أن يكون من جهة البداء وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفية، وهو يستلزم الجهل منه تعالى.
وعلى ذلك يكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً، لأنّه يستلزم المحال.[١]
والجواب: أنّ الحكم المنسوخ لا من قبيل القسم الأوّل بأن يكون
[١] البيان للسيد الخوئي: ٢٩٧، ولم يذكر مصدر نقله.