الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥ - قضاء المقلِّد عند الاضطرار
العامّ و الحاكم المطلق، بل المراد منه هو القاضي فحسب، بقرينة قوله (عليه السلام) في نفس المقبولة: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما بحكم اللّه قد استخفّ و علينا ردّ ...» و يؤيّده قوله بعد عدّة فقرات: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما ...» و يؤيده قوله (عليه السلام) في المشهورة: «قد عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» و نظيره في صحيحة أبي خديجة الأُخرى: «فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».
و عليه، فلو جاز نصب العامّي للقضاء من قبل الإمام (عليه السلام)، لا تصلح المقبولة لإثبات جوازه للمجتهد، بل لا بدّ من التماس دليل آخر، و المجعول الثّابت في حقّ الفقهاء في هذه الروايات هو كونهم قضاة فحسب، لا حكّاماً.
قضاء المقلِّد عند الاضطرار:
ما تلوناه عليك من الأدلّة على عدم جواز تصدّي العامّي للقضاء استقلالًا أو نصباً، إنمّا هو في حال الاختيار، و الكلام في حال الاضطرار، فنقول:
إنّ جواز نصبه و الحال هذه ممكن، و ذلك لأنّ بقاء النّظام رهن فصل الخصومات و رفع المنازعات و عليه، إذا لم يتمكّن من الرّجوع إلى المجتهد و لم نجوّز نصب العامّي للقضاء تقليداً، لزم أحد محاذير ثلاثة و هي:
الأوّل: إمّا أن ترفع الشّكوى إلى ديوان الظالمين و هو حرام.
الثاني: إمّا أن نمنع من الترافع إلى الأبد، و فيه إبطال الحقوق و اختلال النّظام، و رفع الأمان و الحفاظ عن الدّماء و الأموال و الأعراض.
الثالث: إمّا وجوب الصّبر إلى التمكّن من الرّجوع إلى الفقيه، و فيه إيجاب العسر و الحرج، و ربما لا يتمكّن المدّعي و الحال هذه من إقامة الشاهد.
فحينئذ نقول: دفعاً لهذه المحاذير و حفظاً للنّظام، لا مناص للفقيه من نصب العامّي للقضاء تقليداً في الشّبهات الموضوعيّة و الحكميّة.