الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٥ - الاجتهاد و الأزمنة و الأمكنة
الإسلامي حقّ التشريع و التقنين، مع أنّه يمكن حفظ المصالح و قوّة المسلمين عن طريق آخر سنقف عليه عند البحث عن الأحكام الأوّليّة و الثانوية، غير أنّ تحقيق الكلام في تأثير اختلاف الزّمان و المكان موقوف على النظر في أمرين ثابتين غير متغيّرين:
الأوّل: الإسلام دين عالميّ لا إقليميّ كما إنّه خاتم الأديان، لا دين بعده، فالنبي الأكرم خاتم الأنبياء، و كتابه خاتم الكتب السّماويّة و شريعته خاتمة الشّرائع لا تشريع بعدها أبداً، و قد جاء النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بكلّ ما يحتاج إليه الإنسان آجلًا و عاجلًا فهو في غنى عن الرّجوع إلى شرع آخر مطلقاً.
الثاني: إنّ من مراتب التوحيد هو التوحيد في التقنين و التشريع، و أنّه ليس لنبيّ و لا وصيّ حقُّ التشريع، بل واجبهم التبليغ و التبشير و الانذار، و هذا هو الوحي الإلهي يأمر النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله تعالى: (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس- ١٥).
هذا و إنّ في كلمات الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) تلميحات إلى تغيير الأحكام بمر الزّمان و تبدّل الأوضاع، نشير منها إلى كلمتين:
الأولى: يصفُ أحكام اللّه سبحانه: «و بين مثبت في الكتاب فرضه، و معلوم في السنّة نسخه، و واجب في السنّة أخذه، و مرخّص في الكتاب تركه و بين واجب بوقته و زائل في مستقبله» ( [١]).
الثانية: سئل الإمام (عليه السلام) عن قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): غيّروا الشّيب و لا تشبّهوا باليهود، فقال (عليه السلام): «إنمّا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك و الدّين قلّ ( [٢])، فأمّا الآن و قد
[١] نهج البلاغة، الخطبة الأُولى- القرآن و الأحكام الشرعية.
[٢] قلّ: قليل أهله.