الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٧ - الاجتهاد و الأزمنة و الأمكنة
ثمّ إنّ الخصوصيات- المؤثرة في الحكم تارة تؤثّر في مقام الإفتاء و أُخرى في مقام حكم الحاكم الإسلامي من جهة الولاية، فعلى الخبير عدم الخلط بينهما، و إليك بعض الأمثلة من كلا القسمين- على أقسام:
الأوّل: أن تقع علّة للحكم و مناطاً له، كعدم الانتفاع بالدم و نحوه، فقد ذكر الشيخ الأعظم الأنصاري (رضي الله عنه) أنّه لا خلاف في حرمة بيع الدم، و ذلك لعدم الانتفاع به انتفاعاً محلّلًا ( [١])، فلم يكن الغرض من البيع يوم ذاك إلا الأكل و هو محرّم لنجاسته و لو افترضنا تغيّر علّة الحكم و مناطه بأن صار الدّم ذا منفعة محلّلة شائعة، و بها قامت رحى الحياة في المصدومين و المجروحين و من تجرى في حقّه الجراحة الطبيّة، إذ لو لا التزريق بالدم لما نجا كثير منهم، حينئذ يتبدّل الحكمُ لتبدّل مناطه و غايته اللّذين هما قيد الموضوع. فالظّروف الحديثة غيّرت الحكم الشرعيّ بتغير موضوعه، و صار الدم غير المنتفع به إلّا في الجهة المحرّمة منتفعاً به في الجهة المحلّلة الشائعة لا النّادرة، و بذلك يدخل بعض ما كان يعدّ من المكاسب المحرّمة في عداد المحلّلة، فلو قيل: إنّ لعنصر الزمان تأثيراً في الاجتهاد، يعنى به التأثير في تشخيص الصغرى و بقائها على ما كانت عليه أو تغييرها عمّا كانت عليه، قال السيّد الأُستاذ: «لم يكن في تلك الأعصار للدم نفع غير الأكل فالتحريم منصرف إليه» ( [٢]).
[١] كلام الشيخ الأعظم (رضي الله عنه) في مكاسبه حول التعليل المذكور في المتن مختص بالدم الطاهر حيث قال (رضي الله عنه): و أمّا الدم الطاهر إذا فرضت له منفعة محللة ... و قال (رضي الله عنه): «و صرّح في التذكرة بعدم جواز بيع الدم الطاهر لاستخباثه، و لعلّه لعدم المنفعة الظاهرة فيه غير الأكل المحرّم. فإنّه قد فصّل بين الدم الطاهر و النجس و حكم (رضي الله عنه) في الثاني بحرمة المعاوضة عليه مطلقاً للإجماع و الأخبار المتقدّمة. هذا و في التذكرة: يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية، و لو باع نجس العين لم يصحّ إجماعاً.
(١/ ٣ من البيع).
[٢] المكاسب المحرّمة للإمام الخميني (قدّه): ١/ ٣٨.