الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٩ - الثالث التمسّك بالاستصحاب
و الأصل بقاء الحجيّة.
ثمّ إنّه (قدس سره) تفطّن لما ذكر و قال:
«لا يقال: نعم الاعتقاد و الرّأي و إن كان يزول بالموت، لانعدام موضوعه إلّا أنّ حدوثه في حال حياته كاف في جواز تقليده في حال موته، كما هو الحال في الرّواية.
فإنّه يقال: لا شبهة في أنّه لا بدّ في جوازه من بقاء الرّأي و الاعتقاد، و لذا لو زال بجنون أو تبدّل و نحوهما، لما جاز قطعاً» ( [١]).
يلاحظ عليه: أنّ الفتوى كالرّواية، فإنّ الجزم حين الإفتاء أو الإخبار بأنّه حكم اللّه، يعني جعلهما حجّة، و لذا لو تردّد الرّاوي بعد فترة من النقل في صحّة جزمه حين الإخبار سقطت الرواية عن الاعتبار، و الفرق بين الرّواية و الفتوى في كون الأوّل نقلًا للحكم بلا إمعان النظر بخلاف الثاني و إن كان صحيحاً، لكنّ المناط في كليهما لعروض الحجيّة واحد و هو الجزم حين الإخبار أو الإفتاء.
و أمّا الاستشهاد على أنّ حجيّة الفتوى تدور مدار بقاء الرّأي لعدم جواز تقليد من زال رأيه بالتّبدل أو بعروض الجنون أو الهرم الموجب للنّسيان، فليس بتامّ، لأنّ حجيّة كلّ من الرّواية و الفتوى مقيّدة بعدم انكشاف الخلاف، و لذا لو شكّ الرّاوي في صحّة جزمه بعد النّقل لسقطت الرّواية عن الحجيّة. و أمّا عدم جواز تقليد من عرض عليه الجنون أو النّسيان، فلسقوط المفتي عن الأنظار عند عروضهما، و لصيانة المرجعيّة الدينيّة عن الوهن، فلذلك منع من تقليدهم، و هذا بخلاف الموت فإنّه لا يعدّ وهناً بل انتقالًا من دار إلى دار و هنيئاً لمن أخذ من ممرّه لمقرّه، هذا و قد ذكرنا في مبحث المشتقّ أنّ موضوع الأحكام على قسمين:
[١] كفاية الأُصول: ٢/ ٤٧٨، تحقيق مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).