الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣ - المقام الأوّل استقلال المقلِّد في القضاء
فالآية الأولى و الثانية بصدد بيان خصوصيّات الحكم (لا الحاكم) و أنّه يجب أن يكون حكماً بالعدل و قضاءً بالقسط و لا يخاف الحاكم من شنآن قوم فيحكم على خلافهما (العدل و القسط)، و أين هما من بيان خصوصيّات الحاكم حتّى يتمسّك بإطلاقهما.
و منه يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثالثة فإنّها بصدد النهي عن القضاء بغير ما أنزل اللّه لا بصدد بيان خصوصيّات الحاكم ( [١]).
و مثل الآيات تقسيم القضاة إلى أربعة، أو تقسيم الحكم إلى حكمين، فإنّ الجميع بصدد سوق المجتمع إلى القضاء بحكم اللّه لا بحكم الجاهليّة، لا لبيان شرائط الحاكم و خصوصيّاته من كونه رجلًا أو امرأة، مسلماً أو كافراً، سميعاً أو بصيراً، مجتهداً أو مقلِّداً كما هو النزاع.
[١] و كذلك ما قيل في استفادة جواز التصديّ من إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف حيث إنّ القضاء من شعب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فتكفي في جواز تصدّيه إطلاقات أدلّتها نظير قوله تعالى: (و المُؤمِنُونَ و المُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْض يَأمروُنَ بِالمَعْرُوفِ و يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَر) (التوبة- ٧١).
يلاحظ عليه: أنّ مورد أدلّتهما هو الدّعوة إلى التكليف الثابت للمكلّف مع قطع النظر عن قضاء القاضي، كما إذا رأى إنساناً يغتاب أو يكذّب أو يظلم، و هذا هو الذي يجب على المؤمن و المؤمنة ضمن شرائط، و أمّا التكليف الّذي يقتضيه حكم القاضي بحيث لولاه لما كان هناك تكليف، لا تشمله الأدلّة العامّة للأمر بالمعروف، مثلًا إذا اختلف العامل و المالك فقال الأوّل: رددت رأس المال، و أنكره المالك، فليس هنا أيّ تكليف متوجّه إلى العامل بعد ادّعاء ردّ المال و إنمّا يتوجّه إليه التكليف بالردّ بعد القضاء بأنّ القول قول المالك مع حلفه، فعندئذ يتوجّه تكليف بالردّ بعد ما لم يكن أيّ تكليف قبل القضاء فمثل هذا ليس مشمولًا لأدلّتهما.
و إن شئت قلت: إنّ مورد أدلّتهما ما إذا اتفق الآمر و المأمور على وجود التكليف فيقوم أحدهما بالدّعوة لا ما إذا أنكر أحدهما أصل التكليف كما هو الحال قبل القضاء (منه حفظه اللّه).