الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٩ - العمل بالأمارة لاستكشاف كيفيّة التكليف
أخبار الثقات و لو بان و انكشف الخلاف، فإنّه يرفع اليد عن مقاصده تسهيلًا على العباد ( [١]).
و ليس ذلك بتصويب، لأنّ التصويب عبارة عن اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم، و عدم توجهها إلى الجاهل أبداً، و المقام خلاف ذلك، لأنّا نفترض أنّ الأحكام الواقعيّة مشتركة بين العالم و الجاهل من دون تفاوت بينهما، إلّا أنّ اللّه سبحانه و تعالى تسهيلًا على العباد اكتفى في امتثال أوامره و نواهيه بإخبار الثقات لأنّه يراها مطابقة للواقع بنسبة عالية «تسعين بالمائة» و متخلّفة عنه «عشرة بالمائة» فأوجبت المصلحة التسهيليّة رفع اليد عن هذا العدد الضئيل من موارد التخلّف لما في إلزام العبد بتحصيل العلم و ترك العمل بخبر الواحد من مفسدة العسر و الحرج الممنوعة، و اختلال النّظام.
فإن قلت: إنّ لسان الامارة لسان الطريقيّة فلا أثر لها سوى الحكاية عن الواقع و الكاشفيّة و المرآتيّة، و المفروض عدم إيصالها إلى الواقع، و لازم الاشتغال القطعيّ لزوم الإتيان مجدّداً.
قلت: هذا صحيح، و لازمه ترتيب الأثر على الحجّة الثانية المبطلة للامارة الأُولى لو لا الملازمة العرفيّة التي ذكرناها و التي تفيد أنّ المولى سبحانه اكتفى في مقام الامتثال بما أدّت إليه الامارة.
[١] و ترغيب الناس إلى أساس الدّيانة و الإسلام الّذي هو الشريعة السهلة السمحاء، و لا يكون للتسهيل معنىً محصّلًا إلّا جواز ترتيب آثار الواقع، فيسقط أمر المولى المتعلّق بالطبيعة، و تكون الامارات منجزات لا معذّرات. هذا و لم يرد من الأئمة (عليهم السلام)- كما قيل- في هذا الأمر العامّ البلوى- لا سيّما عند الإماميّة المفتوح عندهم باب الاجتهاد- حديث. و أيُّ مانع من أن يكون المقام مثل أعمال العامّة إذا استبصروا، بل ما نحن فيه أولى بذلك كما لا يخفى.
و عليه: فالقاعدة الأوّليّة هي الإجزاء إن لم يقم دليل من إجماع و عقل أو نقل على محفوظيّة تلك الواقعيّات و إلّا لا يقال برفع اليد عنها لعدم أقوائيّة ملاك التسهيل.