الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٣ - ١- آية النفر
و مع ذلك لا تختصّ دلالتها على حجيّة قول المفتي و رأيه بل تعمّ كلّ كلام صادر من الفقيه في مجال الدّين، سواء أ كان رأياً مستنبطاً من الكتاب و السنّة أم مجرّد نقل عن المعصوم (عليه السلام) فالكلُّ حجّة.
و على ضوء ذلك: إذا كان الإنذار واجباً، كان الإفتاء واجباً بحكم أنّه محقّق للإنذار، و إذا كان التحذّر واجباً كان العمل بقوله واجباً لأنّه الغاية القصوى من التحذّر.
يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الظاهر من الآية هو الإنذار بالمعنى المطابقي، و هذا شأن الواعظ و الخطيب اللّذين ينذران النّاس بما أوعد اللّه في كتابه العصاة و الطّغاة بالنّار و العذاب المهين، و يتلوان عليهم مثلًا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء- ١٠) أو قوله تعالى: (... وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (التوبة- ٣٤)، و أمّا ما يقوم به الفقيه فليس إلّا بيان الأحكام من الواجبات و المحرّمات، و المستحبّات و المكروهات و ليس في بيانه لهذه أيّ إنذار إلّا بالدّلالة الالتزاميّة و هو غير منصرف الآية.
و ثانياً: أنّ الآية ليست بصدد بيان لزوم التحذّر عند الإنذار حتى يؤخذ بإطلاقها و أنّه يجب التحذّر سواء أفاد العلم أم لا، بل الآية بصدد بيان أنّ النّفر بصورة عامّة أمر غير ممكن، فلم لا تنفر من كلّ فرقة طائفة لغاية التفقّه و الإنذار و التحذّر عنده، و أمّا ما هو شرائط المنذر و المتحذّر عند الإنذار، فالآية ساكتة عن ذلك، و بذلك تسقط دلالة الآية على حجّية قول المفتي و الرّاوي إذا لم يفد العلم، فلاحظ ما ذكرناه في باب حجيّة خبر الواحد ( [١]).
[١] استدلّ السيّد الخوئيّ (رضي الله عنه) بهذه الآية على حجيّة الفتوى و جواز التّقليد- راجع التنقيح: ١/ ٨٥- ٨٨.