الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨ - ردّ الاستدلال بوجوه
كانوا غير مجتهدين، و أمّا زماننا هذا فالعلم فيه لا يحصل إلّا بالاجتهاد، فليس للاجتهاد موضوعية إلّا كونه طريقاً إلى العلم بالأحكام، و هو كان حاصلًا للمنصوبين يوم ذاك دون مقلّدي أعصارنا. و حاصله: أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، و العامّي في السابق كان عالماً بها بخلاف العامّي في أعصارنا ( [١]).
يلاحظ عليه: إن كان المراد من العلم، العلم بالأحكام الواقعيّة فهو لم يكن حاصلًا يوم ذاك للمنصوبين و لا للمجتهدين في الأعصار المتقدّمة ضرورة أنَّ أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ربّما كانوا يأخذون الأحكام عن أصحابهم، و قد كانوا مبتلين بالأخبار المتعارضة و مشكوك الصّدور، إلى غير ذلك ممّا لا يوجب العلم بالحكم الواقعيّ، و مثله المجتهد، فإنّ ما يحصّله من أحكام ممّا قامت عليه الحجّة لا أنّها أحكام واقعيّة.
و إن كان المراد الأعمّ من الحكم الواقعيّ فهو حاصل لمقلِّدي عصرنا.
و الأولى أن يقال: إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط، صحّ أن يردّ بما جاء في الاستدلال بخلاف ما لو قلنا بأنّ الموضوع له، هو من روى حديثهم (عليهم السلام) و نظر في حلالهم و حرامهم و عرف أحكامهم،
[١] كتاب القضاء للمحقّق ميرزا محمد حسن الآشتيانيّ (رضي الله عنه): ٩ و ١٠.
و عبارته كالتالي، حيث قال بعد كلام حول دلالة المقبولة:
«قلت: لسنا قائلين بدلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد في الحاكم، و إنمّا نقول بدلالتها على اعتبار العلم فيه، و لكنّا نقول: إنّه لا يمكن العلم بتحصيل الأحكام الشرعية في زماننا هذا إلّا بملكة الاجتهاد، فاعتبار الاجتهاد ليس من جهة دلالة المقبولة عليه، بل من جهة عدم حصول العلم في زماننا هذا و أشباهه إلّا به (الاجتهاد).
فاعتبار الملكة إنمّا هو من جهة عدم تحقّق الموضوع في هذه الأزمنة إلّا به».