الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٩ - فيما يتوقّف عليه الاجتهاد
اللّذين تركهما النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بين الأُمّة، فيجب على الفقيه الإمعان في مفاد الآية أوّلًا ثمّ الرّجوع إلى الرّوايات الواردة حولها، و لا تجب معرفة القرآن الكريم بتمامه، بل يكفي فيه معرفة آيات الأحكام التي اختلفت الأقوال في عدّها من ثلاثمائة آية إلى خمسمائة أو تسعمائة آية ( [١]).
هذا و إنّ الاختلاف في عدد آيات الأحكام راجع إلى كون الملاك فيها، هل هو خصوص الدلالة المطابقية أو الأعمّ منها و الدّلالة الالتزاميّة؟ فعلى الأوّل لا يتجاوز عددها عن الثلاثمائة آية مثل قوله سبحانه: (... فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ...) (البقرة- ١٩٦). و على الثاني ربّما يتجاوز عددها عمّا ذكر، فالفقهاء استنبطوا أحكاماً عديدة من قوله سبحانه: (قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ* قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص- ٢٧ و ٢٨).
و قد سمعنا عن بعض مشايخنا أنّ بعض الفقهاء استنبط من سورة المسد (رقم- ١١١- مكية) أربعة و عشرين حكماً شرعيّاً، بل قال بعضهم: ( [٢]) ليس في القرآن آية إلّا و هي مصدر حكم شرعي- و لعلّه إغراق.
السادس: معرفة المذاهب الفقهيّة الرّائجة في عصر الأئمّة (عليهم السلام) التي كان عمل القضاة عليها، و النّاس يرجعون إليها، فإنّ في معرفة تلك المذاهب تمييز
[١] قال الغزالي و غيره: إنّها خمسمائة آية، و نقل عن عبد اللّه ابن المبارك أنّ عددها تسعمائة آية، و قيل: أكثر من ذلك. (الاجتهاد في الإسلام: ٦٦، د. نادية العمري).
[٢] قال نجم الدّين الطوفي: و قلّما يوجد في القرآن الكريم آية لا يستنبط منها شيء من الأحكام. و قال أحمد بن إدريس القرافيّ المالكيّ: «استنباط الأحكام إذا حقّق لا يكاد تعرى عنه آية. (الاجتهاد في الإسلام: ٦٧، د. نادية العمري).