الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٥ - المسألة الخامسة في البقاءِ على تقليد الميّت
مقوّمات المعروض، إلّا أنّ الإنصاف عدم كون الدّعوى خالية عن الجزاف، فإنّه من المحتمل- لو لا المقطوع- أنّ الأحكام التقليدية عندهم أيضاً ليست أحكاماً لموضوعاتها بقول مطلق، بحيث عدّ من ارتفاع الحكم عندهم من موضوعه، بسبب تبدّل الرأي و نحوه، بل إنّما كانت أحكاماً لها بحسب رأيه، بحيث عدّ من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عند التبدّل، و مجرّد احتمال ذلك يكفي في عدم صحّة استصحابها، لاعتبار إحراز بقاء الموضوع و لو عرفاً» ( [١]).
يلاحظ عليه:
أنّه لا يعتبر في صحّة الاستصحاب، سوى صحّة التعبّد بالبقاء شرعاً، بحيث لا يعدّ أمراً لغواً، فالتعبّد ببقاء قباب المساجد أمر لا يترتب عليه الأثر الشرعيّ، فيكون لغواً، و هذا بخلاف التعبّد ببقاء حجيّة رأي المفتي الرّاحل، فإنّ جعل الحجيّة لقوله سواء كانت تأسيسيّة- على خلاف التحقيق- أو إمضائيّة كما هو الحقّ، لم يكن أمراً لغواً من جانب الشّارع حدوثاً، و لأجل تلك الغاية يصحّ التعبّد بالبقاء، إذ لو لا صحّة تعبّده بالبقاء لما صحّ التعبّد بالحدوث أيضاً فما هذا التفريق إذاً؟
و بالجملة: ما هو المسوّغ للتعبّد حدوثاً هو نفسه المسوّغ للتعبّد بقاءً، هذا
[١] كفاية الأُصول: ٢/ ٤٧٨ و ٤٧٩ تحقيق مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) هذا و قيل: «حكي عن المحقّق القوچاني أنّ للعرف حيثيّتين يختلف بهما أنظارهم، إحداهما: كونهم من أهل العرف مع قطع النظر عن تديّنهم بشريعة.
و ثانيتهما: كونهم متديّنين بشريعة من الشّرائع السّماويّة.
و ما أفيد من انتفاء الرّأي بالموت عرفاً إنّما بالنّظر إلى الحيثيّة الأُولى، لا الحيثيّة الثانية، فإنّهم- بعد أن أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ببقاء النّفس- قد فهموا بقاءها، و هم يخطئون نظرهم الأوّل و يعتقدون بقاءها. و حينئذ يكون الرّأي المتقوّم بالنّفس مشكوك البقاء، لأنّه إن كان مخالفاً للواقع فقد ارتفع بالموت و إن كان مطابقاً له فهو باق، فيستصحب و يثبت المطلوب و هو جواز البقاء على تقليد الميت».