الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨١ - مضاعفات تقليد الميّت السلبيّة
الثاني: أنّ تطوّر العلوم الدينيّة كالأصول و الفقه و ما يتّصل بها من اللّغة و الرّجال صار سبباً لاستكمال الفقاهة في المتأخرين، فإنّهم واقفون على ما لدى المتقدّمين مضافاً إلى ما وصلوا إليه في ظلّ الجهد و المثابرة، فلا عتب علينا إذا قلنا: إنّ الشيخ الأنصاري (قدّه) أقوى ملكة و أدقّ نظراً بالنّسبة إلى المتقدّمين من فقهائنا، و لا يعني ذلك الحط من منزلة المتقدّمين، فلا شكّ أنّ علومهم و أفكارهم كانت وسيلة و ذريعة لارتقاء المتأخرين إلى تلك الدّرجة، و لكن للمتأخّرين أيضاً جهد بليغ في طريق الفقاهة، فلو قلنا بلزوم تقليد الأعلم لو كان ميّتاً يشكل الإرجاع إلى من تقدّم من الفقهاء و إن كانوا من أقطاب و أركان و دعائم المذهب الإماميّ.
الثالث: إنّ في إرجاع النّاس إلى الميّت توقيفاً لركب العلم عن التّكامل، و فيه تضييق و تحديد للشريعة الغرّاء المستمرّة و الممتدّة إلى يوم القيامة. و لا يشكّ أحد أنّ تكامل الفقه عند الشيعة رهن رجوع الناس إلى الأحياء من المجتهدين، فإنّ ذلك صار سبباً إلى دراسة الفقه و ممارسته عبر القرون، فلو كفى العاميّ الرّجوع إلى العالم الميّت و فتاواه، لما بذل العالم الحيّ الجهد في طريق استكشاف الحكم الشّرعيّ، مضافاً إلى أنّ في عدم رجوع العوام إلى الميّت، حفظاً للشريعة من الاندراس و طروء التصحيف و التحريف عليها.
و قد حكى شيخ الشريعة الأصفهاني من الأعلام كلاماً يعجبني نقله هنا، قال: «إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابَيْن المؤدّية إلى تحريف ما فيهما و اندراس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولًا فيه أدنى دخل إلّا بيّنوه، و لفاعل فعلًا فيه تحريف إلّا قوّموه، حتى اتّضحت الآراء، و انعدمت الأهواء و دامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، و شفاء القلوب